فهرس الكتاب

الصفحة 4162 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 623

في القرار (و هو المكان المنخفض) أو هو البقاء الطّويل الأمد، لأنّ الشيء متى لصق في مكانه وثبت أطلق عليه في اللّغة أنّه مستقرّ فيه، وتقول العرب لما يلصق من الطّبخ بأسفل القدر قرارة وقرارة وقرورة، لأنّها تلصق وتستقرّ ولا تخرج إلّا اقتلاعا.

وَمُقامًا: أي: ومكان إقامة، والإقامة هي بقاء نسبيّ لا يشترط فيه الدّوام الطّويل.

ومنه مقالة طائفة من المنافقين في غزوة"الخندق": يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، قال اللّه عزّ وجلّ في سورة (الأحزاب/ 33 مصحف/ 90 نزول) :

وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ... (13) .

ومعلوم أنّ الإقامة في الغزوة إقامة محدودة بحدود معاركها السّالمة أو الظّافرة، ثمّ بعد ذلك تكون العودة، بخلاف الاستقرار في المكان.

فمن صفات"عباد الرّحمن"أنّهم يشعرون دواما بتقصيراتهم وخطاياهم، وأنّهم يستحقّون بسبب معاصيهم ومخالفاتهم وتقصيراتهم الّتي قد تقع منهم، أن يعذّبوا بعذاب جهنّم، ولو كان عذاب مقيم إقامة قليلة، لا عذاب مستقرّ خالد فيها، وهم يتخوّفون من أنّ تنقلب أحوالهم مستقبلا إلى مثل أحوال العصاة، فيسألون ربّهم الحفظ والعصمة.

لذلك فهم يسألون اللّه من رحمته أن يغفر لهم، وأن يعفو عنهم، وأن يصرف عنهم بفضله وامتنانه عذاب جهنّم، الّذي قد يستحقّونه بأعمالهم، ويسألون ربّهم أيضا أن يتفضّل عليهم بالحفظ من المعاصي والآثام مستقبلا.

وبهذا يظهر لنا أنّ الوقوع في المعاصي أحيانا لا يتنافى مع كون المؤمن المسلم من فريق"عباد الرّحمن"على وجه العموم، لأنّهم بشر،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت