فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 627
ولا يتأثّرون بداوافع الإمساك من بخل وشحّ وخوف من الفقر فيقتّرون، وهذا سلوك في حياة بعض النّاس، يدلّ على تعادل في شخصيّاتهم يرشّحهم لأن يرتقوا في الدّرجات، حتّى يكونوا من عباد الرّحمن حقّا نظير سلوك الّذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا:
سلاما.
وكلا السّلوكين هما من درجات مرتبتي الأبرار والمحسنين، لأنّ الإسراف في غير معصية لا يخلّ بحقوق مرتبة المتّقين، والتّقتير من غير منع للحقّ والواجب، لا يخلّ أيضا بحقوقها، فالقوام في الإنفاق هو من مقتضيات مرتبتي الأبرار والمحسنين، الجامعتين لفريق عباد الرّحمن.
ومن لم يكن في أصل خلقه هذان السّلوكان فعليه أن يتخلّق بهما إذا أراد أن يكون من"عباد الرحمن"حقا.
و"عباد الرّحمن"حينما يكون إنفاقهم لأموالهم وسطا معتدلا قواما لا إسراف فيه ولا تضييق، فإنّهم يتحلّون بهذه الصّفة التزاما بمنهج الإسلام في إنفاق الأموال، فإذا أنفقوا لم يسرفوا ببذل أموالهم في المعاصي والتّرف والرّفاهية الزّائدة، زهدا بمتاع الحياة الدّنيا، واستخداما للمال فيما خلق من أجله، ولم يقتروا على أنفسهم وأهليهم، بل منهجهم منهج وسط لا إسراف فيه ولا تقتير.
ومع تحلّيهم بهذه الصّفة فإنّهم يدركون قيمة المال في الإسلام، وأنّه قد جعله اللّه قياما للنّاس، فيه قيام معاشهم.
لقد أوصى اللّه عزّ وجلّ الإنسان المؤمن المسلم بقوله في سورة (الإسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول) :
وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ