فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 628
ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) .
فعباد الرّحمن يعملون بهذه الوصيّة الرّبّانيّة، فلا يكونون من المسرفين المبذّرين إذا أنفقوا، لأنّهم يعلمون أنّ المبذّرين إخوان الشّياطين، وذلك لأنّ الشّياطين تأمر بالفحشاء والمنكر، وهذه تستدعي بذلا بإسراف في المعاصي، ومن سار في هذه الطّريق المنحدرة إلى المهالك، لم يجد معه إلّا رفقاء السّوء، وشياطين الإنس والجنّ تستهويه وتستدرجه، حتّى تقذف به في حمأة الإثم والمرض والمذلّة، ثمّ في أودية سخط اللّه، ثمّ إلى جهنّم وبئس المصير.
أمّا الإنفاق في الخير وفي طاعات اللّه، فلا يكون من الإسراف والتّبذير بالغا ما بلغ، بشرط أن تؤدّى من الأموال الحقوق والواجبات أوّلا، وأن لا يكون فيه تعريض أسرة المنفق إلى الفقر والحاجة من بعده.
والقرآن يعلّم المؤمنين قاعدة الاقتصاد الكبرى في الإنفاق، وهي التّوسّط والاعتدال بين القبض الشّديد والبسط الشّديد، فمن أسرف في القبض، أو أسرف في الإنفاق والبسط، قعد في آخر الأمر حزينا، شديد النّدم، ملوما على بخله بالواجب إذا بخل، وملوما على إسرافه وتبذيره إذا أسرف، من الخالق، ومن المخلوقين، ومن نفسه، ومحسورا لما فرّط في جنب اللّه، بإمساكه ما أوجب اللّه عليه إنفاقه، ولما فرّط أيضا بإسرافه وتبذيره بالإنفاق في غير طاعة اللّه ومراضيه، وفي تضييعه ما وهبه اللّه من مال فيما لا فائدة منه، ولا نفع فيه.
المحسور: هو الكالّ الّذي أصابه العجز فأقعده عن متابعة السّير، وكذلك من جنى على نفسه بسوء تصرّفه حتّى قعد عاجزا ضعيفا، وبات حزينا كئيبا نادما على ما فاته، يلوم نفسه على ما كان منه، ويحمل هذا