فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 430

المبلّغون هم كلّ العالمين المكلفين الموضوعين موضع الامتحان، والمنتفعون منه من شاء من العالمين المبلّغين أن يستقيم على صراط الحقّ والهدى، فإيمانه وهدايته من ثمرات ما أعطاه ربّه من مشيئة حرّة ليبلوه، أي: ليمتحنه في ظروف هذه الحياة الدنيا.

هذا ما نفهمه من قول اللّه عزّ وجلّ:

لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) .

وجاء بيان هذه الفكرة بأسلوب بدل الإضراب من قوله تعالى:

(للعالمين) وبدل الإضراب بدل يقصد به البدل والمبدل منه معا، والإبداع هنا أنّ المبدل منه جاء على معنى، وأنّ البدل جاء على معنى آخر، مع ما في الخطاب بعد الحديث عن العالمين بالغائب، من التفات بديع ذي هدف فكريّ، وهو تحميل عموم المخاطبين مسؤوليّاتهم تجاه هذا الذّكر المنزّل من ربّ العالمين.

وقد أثبت قول اللّه عزّ وجلّ: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) أنّ المخاطبين المكلفين يملكون مشيئة حرّة يستطيعون بها أن يشاءوا الاستقامة على صراط اللّه، وأن يشاءوا عدم الاستقامة، وذلك إذ خلق اللّه فيهم بحكمته الجليلة جهاز المشيئة الحرّة، التي يستطيعون أن يشاءوا بها طريق الخير، أو طريق الشّرّ، وأن يشاءوا بها الإيمان أو الكفر، والطاعة أو المعصية.

ويرد على كلمة [الذّكر] في النّص سؤال، وهو: لماذا وصف اللّه القرآن بأنّه ذكر؟

وأقول: الذكر في اللّغة حفظ الشيء في الذاكرة، وإجراؤه على اللّسان، وتذكّر المحفوظ عند استدعائه، والتذكير بما كان معلوما ثم نسي.

فهل وصف اللّه القرآن بأنّه ذكر لمن شاء أن يستقيم من العالمين، لأنّه يجب أن يحفظ فلا ينسى، وبهذا يكون واعظا دائما لحافظه في ذاكرته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت