معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 431
ينصحه ويأمره وينهاه ويرشده بعد أن يتبلغه ويتفهّم دلالاته؟.
أو ليتلى وتجري بآياته ألسنة المؤمنين آناء اللّيل وآناء النهار؟.
أو ليتذكّر المؤمنون حينا فحينا ما اشتمل عليه من هدي لهم، فيتّعظوا بمواعظه، ويهتدوا بهديه؟.
أو لأنّ ما اشتمل عليه من حقائق، وهداية إلى الصراط المستقيم، أمور مغروزة في عقول الناس وفطر نفوسهم، فحين يفهمون ما جاء به القرآن يجدونه مطابقا لما في عقولهم من موازين، ولما في قلوبهم وضمائرهم من مشاعر حقّ وخير وجمال، فيكون بالنّسبة إليهم بمثابة مذكّر يذكرهم بشيء غير جديد عليهم، فكأنّهم كانوا يعلمونه ثمّ نسوه.
كلّ هذه المعاني مقبولة ومعقولة، وربّما سمّي القرآن ذكرا لمراعاة هذه المعاني جميعا، على أنّه ينبغي العناية بحفظه وتذكّر مضامينه عند مناسباتها، للعمل به والاهتداء بما يهدي إليه.
قول اللّه عزّ وجلّ:
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (29) .
يخطئ كثير من الناس في فهم هذا النّصّ وأشباهه في القرآن، وسبب خطئهم أنّهم لم يتنبّهوا إلى أنّ اللّه عزّ وجلّ، قد شاء أن يجعل المكلّفين الممتحنين المسؤولين عن أعمالهم الاختياريّة في الحياة الدّنيا ذوي مشيئات حرّة، يختارون بها في مجالات امتحانهم ما يشاءون من خير أو شرّ أو غير ذلك، ليمتحنهم في اختياراتهم، فخلق لكلّ منهم بمشيئته جهازا خاصّا، هو جهاز المشيئة الحرّة، فالعبد بهذا الجهاز الذي خلقه اللّه له بمشيئته يختار ما يشاء في رحلة امتحانه.
ولو لا أن شاء اللّه أن يمنح عباده القدرة على أن يشاءوا لكانوا