فهرس الكتاب

الصفحة 4171 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 632

والتّذلّل واعتقاد القدرة على التّصرّف في الغيبيّات، فلا يسألون لمطالب دنياهم أو آخرتهم مع اللّه إلها آخر.

وهذا الوصف هو من حقوق مرتبة المتّقين، ولكن لمّا كانت شروط مرتبة المتّقين كلّها شروطا أساسيّة لمرتبة الأبرار ولمرتبة المحسنين، وعباد الرّحمن هم من الأبرار أو المحسنين، كان من الحكمة التّنبيه على الكلّيّات الكبرى المطلوبة لمرتبة المتّقين، ضمن صفات عباد الرّحمن الّذين ارتقوا فوق مرتبة المتّقين ليكونوا أئمّة لهم، باعتبار أن شروط المرتبة الأدنى هي شروط طبيعيّة للمراتب الّتي فوقها.

وقد يزيد"عباد الرّحمن"من مستوى حذرهم من الشّرك الخفيّ، الّذي ربّما يقع به بعض المتّقين وهم لا يشعرون.

لقد عرفوا أنّه لا خالق في الوجود إلّا اللّه، ولا رازق إلّا اللّه، ولا محيي إلّا اللّه، ولا مميت إلّا اللّه، ولا شافي ولا متصرّف في الكون كله إلّا اللّه، فآمنوا به إيمانا خالصا صادقا، وعلّقوا قلوبهم به وحده.

إنّهم نظروا إلى ظواهر نظام الكون، فعرفوا أنّ كلّ مؤثّراتها أسباب تخضع للمهيمن العزيز الجبّار، فلا تؤثّر إلّا بإذن اللّه، وأنّه هو الّذي وضع فيها خصائصها وصفاتها، ويمدّها دواما بما به تؤثّر، أو أسبابها أسباب في الصّورة، وهي في الحقيقة لا تملك تأثيرا، إنّما يجري اللّه مقاديره من خلالها، فيجعلها عند مظهر التّأثير تؤثّر بأمره وخلقه المسبوق بقضائه وقدره وتدبيره، وهذا ما تدلّ عليه نصوص متعدّدة إذا تدبّرناها ببصيرة متعمّقة.

وعرف"عباد الرّحمن"أنّ الإنس والجنّ لو اجتمعوا على أن ينفعوا أحدا بشيء لم ينفعوه إلّا بشيء قد كتبه اللّه له، ولو اجتمعوا على أن يضرّوا أحدا بشيء لم يضرّوه إلّا بشيء قد كتبه اللّه عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت