فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 633
لذلك فهم يباشرون اتّخاذ الوسائل والأسباب طاعة لأمر اللّه، ولا يعلّقون قلوبهم بالوسائل والأسباب، بل بخالق الوسائل ومسبّب الأسباب، فهو الّذي بيده مقاليد السّماوات والأرض، والأسباب والوسائل لا تؤثّر إلّا بإذنه، أو بأمره التّكويني الخلّاق.
إنّهم في ظواهر الأعمال سببيّون، وفي أعماق قلوبهم متوكّلون على اللّه وحده، يباشرون الأسباب، ويسألون اللّه أن يحقّق لهم ما يرجون من نتائج، وهذا ما يفرضه عليهم واجب الإيمان باللّه، وواجب الطّاعة لأوامر اللّه، فهم لا يدعون مع اللّه إلها آخر، من الإنس، أو الجنّ، أو الملائكة، أو الأوثان، أو الموتى وأهل القبور، أو قوانين الطّبيعة وأسباب الكون، لأنّهم يعلمون أنّ كلّ شيء سوى اللّه خاضع لأمره وسلطانه، وهو مخلوق له، ولا يكون له عمل ولا تصرّف إلّا بإذنه، أو بقضائه وقدره مباشرة وخلقه.
هكذا كلّ عباد الرحمن من الأنبياء والمرسلين والمحسنين والمقرّبين والأبرار والشّهداء والصّالحين.
ومن آثار توحيد اللّه في قلوب"عباد الرّحمن"أن يحكموا بما أنزل اللّه، ولا يتّخذوا لأنفسهم حاكما يحكم بغير حكمه، لأنّهم يعلمون أنّ من مقتضى إيمانهم بأنّه لا إله إلّا اللّه وحده، أن يؤمنوا بأنّه لا حكم إلّا للّه، ولمن أذن له اللّه.
إنّ الحاكميّة في عقيدتهم الرّاسخة هي للّه وحده، فهو يأمر بما يشاء، وينهى عمّا يشاء، لا معقّب لحكمه، دليلهم في ذلك أنّ من له الخلق لا بدّ أن يكون له الأمر، ومن طاعة أمر اللّه طاعة من أمر اللّه بطاعته، ضمن الشّروط الّتي حدّدها لهذه الطّاعة، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.