فهرس الكتاب

الصفحة 4183 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 644

نفهم أنّ مضاعفة العذاب في هذا النّصّ خاصّ بعباد الرّحمن الّذين ارتقوا فوق مرتبة المتّقين، وصاروا من أهل مرتبة الأبرار، أو من أهل مرتبة المحسنين، وأفاض اللّه عليهم من نعمة البصيرة ما أفاض، وعرفوا من الدّين أكثر ممّا عرف عامّة المؤمنين، وصاروا في نظر العامّة قدوة وأسوة حسنة. فكان جزاء كبائرهم المساوي لها مضاعفا بقدر مثلين لمن هم دونهم في المرتبة، في مقابل أنّ أجورهم على صالحات أعمالهم مضاعفة أيضا.

ونظير هذا ما جاء في قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الأحزاب/ 33 مصحف/ 90 نزول) خطابا لنساء النبيّ:

يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا (31) .

ومن هذا يظهر لنا أنّ زيادة الغرم قد جاءت في مقابل زيادة الغنم، وهو من العدل.

فمن وصل إلى مرتبة عباد الرّحمن كان سقوطه في كبيرة الشّرك، أو القتل، أو الزّنى، ذا حجم مضاعف عمّا لو سقط بها واحد من عامّة المؤمنين، فالعقاب بالعدل ينبغي أن يكون بقدر هذا الحجم المضاعف.

وهذا العذاب المضاعف يكون يوم القيامة إذا مات مرتكب هذه الكبائر الّذي ارتقى إلى مرتبة عباد الرّحمن، دون توبة صحيحة صادقة ممّا سقط فيه، فهو بشركه كأنّما خرّ من السّماء فهوت به الرّيح في مكان سحيق، ويجرّه شركه إلى القتل بغير حقّ، وارتكاب فاحشة الزّنى بفجور.

لذلك كان من العدل أن يخلد في عذابه المضاعف مهانا.

وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا: أمّا خلوده في العذاب فبسبب موته وهو مشرك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت