فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 646
(5) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) .
بهذا الاستثناء الّذي اشتملت عليه هذه الآية، يفتح اللّه عزّ سلطانه وعظم جوده وإحسانه، لمن كان من"عباد الرّحمن"فسقط في شرك الشّرك الّذي جرّه إلى كبيرتي القتل والزّنى، باب التّوبة والرّجعة إلى ما كان فيه من مرتبة، ويبيّن اللّه جلّ جلاله أنّ هذه التّوبة لها ثلاثة شروط:
الشّرط الأوّل: صدق التّوبة، دلّ عليه عبارة: إِلَّا مَنْ تابَ.
الشّرط الثاني: تجديد الإيمان للتخلّص من انتكاسة الشّرك، دلّت عليه عبارة: وَآمَنَ.
الشّرط الثّالث: التّعبير المادّيّ عن التّوبة وصدق الإيمان، بالعمل الصّالح الّذي يبتغى به رضوان اللّه عزّ وجلّ، دلت عليه عبارة: وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا.
وبعد أن فتح اللّه عزّ وجلّ لهم باب التّوبة وعدهم وعدا كريما، بأن يتفضّل عليهم، فيبدّل سيّئاتهم الّتي سقطوا فيها فيجعلها لهم حسنات، دلّ على هذا قوله تعالى في الآية: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا.
أي: وبذلك يعودون إلى مرتبتهم الّتي كانوا فيها، ودرجتهم الّتي كانوا فيها، وما كتب في سجل أعمالهم زمن الانتكاس من سيّئات يمحوه اللّه بفضله، ويجعل بدله حسنات، لئلّا تبقى سطور ذلك الزّمن فارغة يشير فراغها إلى أنّها سيّئات أمر اللّه بمحوها.
وهذا كرم من اللّه عظيم، وفضل منه جسيم، وإغراء عجيب بالتّوبة في قواعد الحساب والجزاء، إنّه فوق تكفير السّيّئات، والغفران والعفو، بدرجات رفيعات، إنّه قلب للدّركات بجعلها درجات، فما أعظم فضل اللّه على"عباد الرّحمن".