معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 658
وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (17) .
أي: ما يؤمن بآيات اللّه إيمانا كاملا ذا أثر في السّلوك إلّا الّذين إذا ذكّروا بها خضعوا لها، وأعلنوا عن خضوعهم النّفسيّ والقلبيّ لها، بأن يخرّوا سجّدا للّه، متذكّرين مسبحين بحمده، سامعين لما في متلوّها، ومتدبّرين له، ومتفكّرين في مشهودها ومدركين لدلالاته وإشاراته، وفي تدبّرهم وتفكّرهم يستبصرون أوامر اللّه ووصاياه ونصائحه وهدايته، ويستبصرون المنهج الّذي ترشدهم إليه وتدلّهم عليه.
ونلاحظ من روائع البيان القرآني البديع في النّصّين الّذي في (الفرقان) والّذي في (السجدة) ما يلي:
* أنّ الّذي في (الفرقان) قد نفى عن"عباد الرّحمن"صفة الخرور الشّكليّ الّذي لا يرافقه حضور فكري وقلبيّ لدى تذكيرهم بآيات ربّهم، وهذا المنفيّ عنهم هو من صفات أهل الغفلة والمرائين والمنافقين.
وأنّ الّذي في (السجدة) قد حصر كمال الإيمان في الّذين إذا ذكّروا بآيات اللّه خرّوا سجّدا وسبّحوا بحمد ربّهم، غير مستكبرين، فأثبت الخرور، والسّجود، والتّسبيح بحمد اللّه، لذوي الإيمان الكامل بآيات اللّه، وهذه صفات أهل الحضور الفكريّ والقلبيّ لدى تذكيرهم بآيات اللّه.
ومن الجمع بين النصين نفهم بيقين ووضوح تامّ أنّ من صفات"عباد الرّحمن"أنّهم إذا ذكّروا بآيات اللّه خرّوا سجّدا وسبّحوا بحمد ربّهم غير مستكبرين، مع حضور قلبي وفكريّ في تدبّر آيات اللّه المسموعة، والتّفكّر في آيات اللّه المشهودة، ولم يخرّوا غافلين ولا مرائين ولا منافقين صمّا عن آيات اللّه المتلوّة، وعميا عن آيات اللّه المشهودة.