معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 674
والإيمان في الإسلام هو الاعتراف الإرادي بالحقّ، النّابع من عمق الفؤاد، وأعظم الحقائق الّتي كلّف اللّه عباده أن يؤمنوا بها تأسيسا لقاعدة الدّين الأولى، هي حقيقة وجود اللّه الخالق، ووحدته في ربوبيّته وإلهيّته، وصفاته وأسمائه الحسنى، ومن ذلك حكمته في الخلق، وأنّه خلق ذوي الإرادات الحرّة ليبلوهم أيّهم أحسن عملا، وأنّه أعدّ حياة أخرى لإدانتهم، تأتي بعد هذه الحياة الدّنيا، وأنّه أرسل رسلا وختمهم بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ليبلّغوا النّاس شريعة اللّه لهم، إلى سائر أركان الإيمان وتفصيلاتها، وما يتعلّق بها.
ولذلك كان الإيمان هو القضيّة الأولى من قضايا الإسلام.
ولمّا كان الإيمان هو الأساس الأوّل في بناء الدّين، وجدنا أنّ أوّل ما بدأت به دعوات الرّسل عليهم الصلاة والسّلام، تأسيس الإيمان في قلوب من يدعونهم إلى دين اللّه، ووجدنا سيّدنا محمّدا رسول اللّه وخاتم النبيّين، قد بدأ أوّل ما بدأ بالدّعوة إلى تصحيح الإيمان، والاهتمام بتأسيسه، وبذل غاية الجهد للإقناع بعناصره، وترسيخ قاعدته، ووجدنا القرآن الكريم يوجّه أعظم اهتمامه لقضايا الإيمان، ووجدنا أنّ ما نزل منه في مدّة الدّعوة المكّيّة- وهي المدّة الأولى في الدّعوة المحمّديّة الإسلاميّة- يعالج بالدّرجة الأولى تأسيس قضايا الإيمان بمختلف الوسائل الإقناعيّة، ويوجّه اهتمامه الأكبر لتصحيح عقائد النّاس بالنّسبة إليها.
إنّ المفاهيم الاعتقاديّة الإيمانيّة ضروريّة لتوجيه كلّ أنواع السّلوك الإنسانيّ، فمن ليس لديه مفهوم صحيح ثابت عن أمر ما من أمور حياته، لا يستطيع أن يتّخذ تجاهه قرارا يطمئنّ إليه، ولا يستطيع أن يوجّه نحوه عاطفة صادقة، ولا يستطيع أن يرسم لنفسه بالنّسبة إليه سلوكا لا تردّد فيه ولا اضطراب.