فهرس الكتاب

الصفحة 4217 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 678

ولمعرفة أنّ التّوكّل على اللّه ثمرة من ثمرات الإيمان الصّحيح الصّادق، وأنّه وظيفة من وظائف القلب وسائر جوانب النّفس، لدى ممارسة الأعمال طاعة للّه عزّ وجلّ، لا بدّ أن نحضر في تصوّرنا أنّ اللّه عزّ وجلّ عليم حكيم قدير خلّاق، بيده مقاليد السّماوات والأرض، وهو المهيمن على كلّ شيء، وله الخلق والأمر، وهو الرّزّاق ذو القوّة المتين، وهو الّذي بيده الحياة والموت، والنّفع والضّرّ، والتّوفيق والنّصر، وكلّ ما يجري في الكون إنّما يجري بأمره أو بإذنه وتمكينه، إنّه سبحانه إذا شاء وهب، وإذا شاء حجب، وإذا شاء أذن للأسباب فأثّرت آثارها، أو ألغاها، أو قطعها، أو سلب تأثيراتها، فلم تغن شيئا، وهو الّذي إذا شاء صرف الموانع أو أقامها، حكمه هو النّافذ، فلا معقّب لحكمه، وقضاؤه هو المنجّز فلا معدّل لقضائه.

كلّ هذا هو من عناصر القاعدة الإيمانيّة، وهذه العناصر متى كانت حاضرة في تصوّر المؤمن، جعلته يعلّق قلبه وسائر جوانب نفسه باللّه، فيطلب كلّ مطالب حياته منه، وهو يباشر أعماله، ويتّخذ الأسباب لتحقيقها، ويتوكّل بقلبه عليه سبحانه، ويدعوه أن يحقّق له الخير، لأنّه يؤمن إيمانا جازما راسخا بأنّ اللّه عزّ وجلّ إذا قضى أمرا أو أذن به يسّر أسبابه، ودفع عنه الموانع، وحقّق النّتائج المرجوّة، وإذا لم يكن له في الأمر قضاء أو إذن، لم ييسّر أسبابه، ولم يدفع الموانع، ولم يحقّق النّتائج الّتي يرجوها العاملون من عباده.

فالتّوكّل على اللّه سلوك داخليّ من عمق النّفس فحواشيها، يقتضيه الإيمان الصّحيح السّليم، الماثل في ساحة التّصوّر الموجّه للسّلوك.

والتّوكّل على اللّه وظيفة من وظائف القلب وسائر جوانب النّفس لدى المؤمن، ومن شأنه أن يشحن قوى العمل بالثّبات والصّبر والثّقة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت