معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 24
وقد حمل الفطر معنى الخلق على نظام ابتداء الشيء من عمق باطنه، والاتّساع به إلى الأبعاد الّتي تكون في ظاهره، فالنواة الصّغرى تنشق وتنمو وتتكاثر حتّى تكون شجرة عظيمة، والبييضة بعد تلقيحها بالحوين الّذي يأتي إليها من الذّكر تنفطر منشقّة ومنشطرة، وتنمو وتتكاثر وفق الخريطة المسجّلة في عمق نواتها، حتّى تكون حيوانا كبيرا مطابقا لبرنامج خريطته المسجّلة في نواته الأولى المودعة في عمق بييضته بعد أن اتّحدت مع نواة الحوين الذي اقترن بها قادما من الملقّح الذّكر، إذ تتكامل بهما خريطة إيجاده.
وقد كان اللّه عزّ وجلّ ولا شيء معه، وفطر السّماوات والأرض، أي: خلقهما وفق نظام الفطر ابتداء من العدم. والعدم يتّضح تصوّره من مركز عمق كلّ شيء، إذ يتفجّر منه الموجود متناميا بإيجاد الخالق البارئ المصوّر له.
وقد اختار اللّه عزّ وجلّ لأعمال خلقه للأكوان نظام خلق قائم على أمرين:
الأمر الأول: نظام الفطر من العمق الّذي يسهل تصوّر العدم عند مركزه، مع قدرته- جلّ جلاله وعظم سلطانه- على أن يخلق من الظاهر إلى الباطن، إلّا أنّ الخلق من الباطن إلى الظاهر أدلّ على الخلق من العدم.
الأمر الثاني: نظام الإنشاء المتدرّج للأشياء حتّى غاياتها الّتي تتكامل عندها، وهو نظام التربية، ولهذا عرّفنا اللّه عزّ وجلّ، أنّ من صفاته الجليلة العظيمة أنّه ربّ العالمين، أي: موجد العالمين بربوبيّته وفق نظام الإنشاء المتدرّج، والإنقاص التنكيسيّ المتدرّج أيضا، مع قدرته جلّ جلاله على أن يخلق أيّ شيء يريد خلقه دفعة واحدة، فما ينشئه ويربّيه خلال