معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 34
التدبّر:
قول اللّه عزّ وجلّ:
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) .
جاء في هذه الآية إطلاق فعل"يفتح"للدّلالة على معنى إجراء النّعم الرّبّانيّة بالتّتابع مع الزمن، لأنّ فتح سدود مجاري النّعم يجعلها تتدفّق شطر من هي موجّهة له، فينتفع بها، ويقضي منها أوطاره لدنياه أو لآخرته.
ويمكن بالتحليل أن نقول: شبّه إجراء النّعم بالتتابع مع الزّمن بفتح سدود وأبواب مجاري المياه، لمن ينتفع بها على التوالي.
فعطاءات اللّه عزّ وجلّ من نعمه تأتي غالبا على سنّة الجريان المتتابع، نظير جريان الكهرباء في الأسلاك، لإضاءة المصابيح الكهربائية، وعمل الآلات التي تستمدّ قوت عملها من الكهرباء، ولا تأتي عطاءات اللّه من نعمه في الغالب على سنّة العطاء دفعة واحدة ثمّ تنقطع، والحكمة من هذا أن يظلّ العبد المؤمن مرتبطا بربّه دواما، يلاحظ عطاءاته المتواليات، فيتابع هذه العطاءات بالحمد والشّكر، ويكون دائم الدّعاء والالتجاء إليه، شاعرا بدوام افتقاره إليه، وخاضعا له يعبده وحده لا شريك له.
* لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ: أطلقت الرّحمة الّتي هي صفة من صفات اللّه النفسيّة على وفق ما يليق به- جلّ جلاله وعظم سلطانه- وأريد بإطلاقها آثارها في المخلوقين المرحومين.
وجاء ذكر الناس بالتّعيين، مع أنّ آثار رحمة اللّه عزّ وجلّ ليست قاصرة عليهم، لأنّهم في هذا الدرس من دروس السورة هم المقصودون بالبيان لإقناعهم.