معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 447
* وأمّا ظاهرة تسوية المخلوقات في كلّ ما خلق اللّه من شيء، والتي دلّ عليها قوله تعالى: (فسوى) أي: فجعل ما خلق يبلغ بإنشائه المتدرج الغاية المقضيّة له في خطّة التكوين، فصار تامّا بالغا غايته.
سوّى الشّيء: أي: جعله مستويا، وسويّا، والمستوي والسّويّ هو التّامّ الّذي بلغ الغاية المقضيّة له في خطّة تكوينه.
وجاء العطف بالفاء في (فسوى) الدّالة على الترتيب لمطابقة واقع سنّة اللّه في خلقه وهي سنّة الإنشاء المتدرّج إلى كمال الشّيء وغايته المعدّة في خطّة إيجاده.
ولمّا كانت عمليّات الخلق تسير وفق نظام التربية، وهي الإنشاء المتدرّج حتّى بلوغ المخلوق غاية كماله، وبها يكون مستويا، فإنّ تسوية المخلوق تأتي متأخّرة ومترتّبة على أعمال الخلق المتتابعة المحكمة في كلّ أجزائها وعناصرها.
فقول اللّه عزّ وجلّ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) في غاية الإيجاز، مع المطابقة لحركة الصّنع الرّبّانيّ المتقن المحكم العجيب.
* وأمّا ظاهرة تقدير المقادير، في كلّ صغير وكبير من هذا الكون كلّه، والّتي دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ: وَالَّذِي قَدَّرَ.
يقال لغة: قدّر الأمر وقدره، إذا حدّد مقاديره ودبّره قبل إيجاده.
فالتقدير: هو تحديد المقادير، ويكون التقدير في كلّ شيء له أجزاء صغرى يتكوّن من اجتماع مقادير مختلفة منها كائنات مختلفات.
فالذّرّات تختلف باختلاف مقادير أجزائها، إذ تتكوّن الذّرّة الّتي لا ترى بالعين من نواة تتجمع فيها أعداد ممّا يسمّى"نيوترونات"وأعداد مما يسمّى:"بروتونات"وهي تختلف باختلاف العنصر الكيميائي، كالأكسجين،