معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 36
* .. وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ...
وجاء الضمير هنا في: فَلا مُرْسِلَ لَهُ عائدا على"ما"ولم يأت عائدا على"رحمة"كما جاء في العبارة الأولى، لأنّ الإمساك قد يكون من آثار عدله الحكيم جلّ جلاله وعظم سلطانه، أو من آثار ابتلائه الحكيم، فاقتضى عود الضمير هنا على ما يكون فيه الإمساك.
إنّ توزيع الإرسال والإمساك في مجاري القضاء والقدر إنّما يتمّ باختيار حكيم، وللّه الحكمة البالغة.
وختم اللّه عزّ وجلّ الآية بقوله:
* وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: أي: وهو في الوجود كلّه ذو القدرة والقوّة الغالبة التي لا تستطيع أن تعاندها أو تعارضها قوّة. وهو الحكيم في تصاريفه، إذ يختار بعلمه الشّامل التدبير الحكيم، فيضع الأشياء في مواضعها الّتي تقتضيها الحكمة السّامية، ولا بدّ أن يكون الحكيم عليما خبيرا، فبعلمه الشامل، وخبرته بعباده، يختار وينتقي من الاحتمالات الممكنات في التّصوّر ما هو حكيم، فيقضيه بمشيئته جلّ جلاله وعظم سلطانه.
ومشيئة اللّه تبارك وتعالى غير اعتباطيّة ولا عشوائيّة، بل هي اختيار حكيم، ومن الثابت الحقّ أن صفات اللّه عزّ وجل متكاملة فيما بينها لا متعارضة ولا متغالبة، وطلاقة إرادته سبحانه لا تطغى على كمال حكمته.
"ما"في عبارة: ما يَفْتَحِ وفي عبارة: وَما يُمْسِكْ شرطيّة جازمة، تربط بين جملتين، ويعبّر بها عن غير ذي العلم، وتجزم فعلين، يسمّى أوّلهما: فعل الشّرط، ويسمّى الثاني: جوابه وجزاءه، وهي هنا مفعول به لفعل الشرط الذي جزمته.
والضمير في: فَلا مُرْسِلَ لَهُ يعود على لفظ"ما"الشرطية، أي: