معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 38
لفظ نِعْمَتَ اسم جنس في الآية، وبإضافته إلى اللَّهِ شمل كلّ نعمه على عباده استغراقا، فصارت العبارة بقوّة: اذكروا نعم اللّه عليكم.
إنّ نعم اللّه جليلة وكثيرة جدّا، لا يستطيع العباد إحصاء أفرادها، كما قال اللّه عزّ وجلّ في سورة (النحل/ 16 مصحف/ 70 نزول) خطابا للناس:
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. (18)
إنّ نعم اللّه على عباده الّتي تفيض بها مقاديره، تشمل أعمال الخلق المتتابعة، التي يجعلهم بها باقين في الوجود، ولا يشاركه فيها أحد، وتشمل ما يرزقهم من السّماء والأرض، فالرزق الآتي من جهة السّماء، نلاحظ منه الأمطار الّتي تنزل من السّحب على الأرض، فيحيي اللّه بها الأرض بالنّبات بعد موت نباتاتها الّتي كانت عليها في دورات إنبات سابق، ونلاحظ منه أشعّة الشّمس الّتي تصبّ على الأرض ما دامت مشرقة عليها، فتمدّها بأسباب الحياة لكلّ ذي حياة نباتيّة وحيوانيّة.
وتتدخّل حرارة أشعّة الشّمس في عمليات تبخّر المياه الموجودة على سطح الأرض إلى الجوّ، فإذا تجمّعت المتبخّرات صارت سحبا، وهي قطرات ماء متمدّدات، ثم يسوقها اللّه ويزّجيها بعلمه وحكمته وقدرته، ويرحم بها من يشاء من عباده، فينزلها عليهم مطرا نافعا، للشّرب والإنبات وغير ذلك من منافع للأحياء.
فنعم اللّه تشمل فيما تشمل أعمال الخلق وعطاءات الرزق، وهذان الصنفان يصيب منهما الناس جميعا، المؤمنون منهم والكافرون.
وبما أنّه لا خالق إلّا اللّه، ولا رازق في الوجود إلّا اللّه، كان من الحكمة الإقناعيّة والتربويّة، أن يوجّه اللّه عزّ وجلّ للنّاس سؤالا استفهاميّا، لانتزاع إقرارهم بهذه الحقيقة، فقال تعالى في هذه الآية: