معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 39
* .. هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ... ؟.
هَلْ حرف استفهام يستفهم به عن حكم في قضيّة خبرية موجبة أو سالبة، ولا يستفهم بها لتصوّر مفرد.
وبعد البحث والتأمّل لا بدّ أن يقول كلّ ذي لبّ منصف جوابا لهذا السؤال: لا خالق في الوجود غير اللّه، ولا رازق في الوجود من السّماء والأرض، في عمليّات خلق متتابعة غير اللّه.
وقد دلّت هذه العبارة القرآنية المصدّرة بأداة الاستفهام هَلْ على أنّ أعمال الرزق من السّماء والأرض الّتي يرزق اللّه بها عباده، هي صور من صور الخلق الرّبّانيّ الّتي يجريها اللّه في كونه تباعا، لأنّ جملة:
يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ في الآية، قد جاءت صفة لاسم الفاعل:
خالِقٍ ونفهم من هذا أنّه يرزق دواما من السّماء والأرض بوصف كونه خالقا، فالخلق يشمل الأحداث كلّها الّتي تنتج للنّاس أرزاقهم، ومنها إرسال أشعّة الشمس، وأحداث تبخّر المياه، وإنزال الأمطار من السّماء، وإنبات الزّروع والثمار.
إنّ اللّه جل جلاله خالق كلّ شيء، وخلق الرزق من آثار وظواهر رحمة اللّه بعباده، وقد أنكر المشركون أن يكون من أسماء اللّه اسم"الرّحمن"كما جاء بيانه في سورة (الفرقان) فجاء في سورة (فاطر) متابعة البيان الإقناعيّ بأنّ الرّحمة من صفات الرّبّ الخالق جلّ جلاله وعظم سلطانه، فلا بدّ أن يكون من أسمائه"الرّحمن".
وبعد إثبات حقيقة أن اللّه عزّ وجلّ هو وحده الخالق الرازق لا شريك له قال اللّه عزّ وجلّ في الآية:
* لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ...
أي: لا معبود بحقّ إلّا الرّبّ الخالق الرازق، الذي لا خالق ولا