معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 49
* فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا: أي: فلا تخدعنّكم الحياة الدّنيا، بظواهر زيناتها ولذّاتها ومتاعها، فتصرفكم عن البصيرة المدركة للحقّ.
يقال لغة: غرّه، أي: خدعه وأطمعه بالباطل.
ومعلوم أنّ الحياة الدنيا بزيناتها ولذّاتها ومتاعها تخدع من يتعلّق بها، ويعطيها كلّ همّ نفسه، غافلا عن أكدارها، ونهايتها الحتميّة بالموت، وقاطعا نظره عن الحياة الأخرى، وما سوف يجري فيها من حساب، وفصل قضاء، وتحقيق جزاء، على ما قدّم في رحلة امتحانه في الحياة الدّنيا، وقاطعا نظره عن أنّ الحياة الأخرى هي حياة الخلود الدّائم الّذي لا ينقطع بموت.
فمن قطع نظره عن الحياة الأخرى الخالدة، وعمّا يجري فيها من جزاء بالثواب وبالعقاب، غرّته الحياة الدّنيا، بظواهر زيناتها، ولذّاتها، وما فيها من متاع سريع الزّوال، وغفل عن أنّها دار فناء لا دار بقاء، وغفل عن أنّ الموت غاية كلّ حيّ فيها.
قول اللّه عزّ وجلّ خطابا للناس أيضا:
وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ: أي: لا تغترّوا بما يخدعكم به الغرور.
الغرور: هو في اللّغة كلّ خدّاع يطمع بالباطل، وبزخرف القول الكاذب، والأفكار التي ليس لها نصيب من الحقّ.
وصيغة"غرور"من صيغ المبالغة، أي: شديد الخدع. ويطلق غالبا على الشيطان سواء أكان من الجنّ أم من الإنس، والتعريف في لفظ"الغرور"يشعر بأنّه الشيطان المعهود منه أنّه كثير الخدع بالباطل.
ويطلق لفظ"الغرور"على كلّ مضلّل بتزييناته ووساوسه وتسويلاته،