معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 94
إذن: وجب أن تكون له وحده الإلهيّة، فلا يصحّ أن توجّه عبادة عابد إلّا له، إذ عبادة غيره ظلم عظيم لحقّ ربّه عليه، وهو من الكفر به، ولا يغفره اللّه، لأنّه لا يغفر أن يشرك به.
ويظهر أنّ المراد بالبحرين في هذا النّصّ البحران المذكوران في نصّ سورة (الفرقان) وهما: العذب الفرات، والملح الأجاج، وقد جاء الحديث عنهما في نصّ سورة (النمل) على طريقة سؤال المشركين عمّن جعل بين هذين البحرين هذا البرزخ، لانتزاع الإقرار منهم بأنّه هو الرّبّ الخالق، وسيلة لإلزامهم بوجوب أن يتركوا شركهم، ويعبدوا اللّه وحده لا شريك له.
(4) وما جاء في سورة (الرّحمن/ 55 مصحف/ 97 نزول) وهي من أواسط التنزيل المدني، فقد جاء الحديث فيه عن البحرين اللّذين يلتقيان، ومع التقائهما يوجد بينهما برزخ فاصل، فهو مانع لهما من التمازج، لكنّه لم يوصف بأنّه محجور، أي: ممنوع من أن يختلط هو بهما، إذ ليس هو ممّا يظنّ فيه قابليّة الانحلال والاختلاط- وهذان البحران مع التقائهما يستمرّ كلّ واحد منهما عند حدّه، فلا يبغي أحدهما على الآخر، فيغيّر من خصائصه، ومن نسبة العناصر المختلطة فيه.
وقد وصف هذان البحران بأنهما يخرج منهما اللّؤلؤ والمرجان، إشارة إلى أنّ كلّا منهما ملح أجاج، إذ من المعروف أنّ اللّؤلؤ والمرجان يستخرجان عادة من البحر الملح الأجاج.
وتحيّر المفسّرون في فهم المراد بهذا النصّ:
* هل المراد بالبحرين في هذا النصّ بحر الماء العذب الفرات والملح الأجاج، وذلك في ظاهرة دخول مياه الأنهر في مياه البحار، إذ يستمرّ الماء العذب الفرات على صفاته مسافة طويلة قبل أن يمتزج بماء البحر.