معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 118
* يا أَيُّهَا النَّاسُ: هذا النداء من اللّه عزّ وجلّ للناس هو النداء الثالث لهم في هذه السّورة، والمعنيّون الأوّلون من عموم الناس هنا، هم الكافرون المكذّبون برسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من قومه إبّان نزول السورة.
والمنادى به في هذه الآيات الثلاث (15 - 16 - 17) ثلاث قضايا:
القضيّة الأولى: دلّ عليها خطابا للناس: أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ ...:
الفقراء: جمع الفقير، وهو من الناس ذو الحاجة الّذي لا يملك ما يكفي مطالب معيشته.
ويقال لغة: افتقر إلى الشيء أو إلى الأمر، أي: احتاج إليه.
فالمعنى: أنتم الفقراء المحتاجون دوما إلى إمداد اللّه لكم بعطاءات ربوبيته لكم، لا تنفكّ عنكم حاجتكم إليه مقدار أقلّ زمن من وجوداتكم وحيواتكم.
فوجوداتكم، وأرزاقكم، ومطالب حيواتكم، وعزّكم، ونصركم، وعافياتكم، وقوّاتكم، وحركاتكم، وسكناتكم، وسائر ما يجري فيكم، أو يصدر عنكم، لا تتمّ إلّا بإمداد متتابع من اللّه لكم، كتتابع تيّار الكهرباء لإمداد الآلات الكهربائيّة بقوت أعمالها، ففي اللّحظة الّتي يتوقّف عنها التّيّار الكهربائي تتوقّف عن أعمالها.
أي: والآلهة الّتي تجعلونها شركاء للّه في إلهيّته الّتي لا تكون لها حقّا، ما لم تكن شركاء للّه في ربوبيّته، وهذا باطل حتما بالبراهين العقليّة القواطع، فآلهتكم التي تعبدونها من دون اللّه أيّها الناس المشركون، لا تملك لكم جلب نفع ولا دفع ضرّ، ولا تملك لكم عزّا ولا نصرا.
وهذه الجملة: أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ جاءت على طرائق الجمل الّتي تفيد الحصر والقصر، لأنّها من مبتدأ وخبر معرفتين، ولكن كيف