فهرس الكتاب

الصفحة 4429 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 134

التربوية عند المناسبة الملائمة أن يوجّه اللّه لرسوله بشأن الذين وصلت حالة نفوسهم إلى دركة الموت المجازيّ، بالكفر الذي يطمس البصيرة، فيجعلها لا تبصر آيات اللّه في كونه، ولا تسمع البيانات الدّاعيات إلى الحقّ والهدى، مهما اتّخذ الدّاعي لإسماعها من وسائل وأسباب، ما يلي:

إنّ من وصلت حالة نفوسهم إلى مثل حالة من في القبور، فإنّه لا فائدة من تكرير الاشتغال بدعوتهم، وإضاعة الأوقات في معالجاتهم، بغية إصلاحهم عن طريق إراداتهم الحرّة.

فالدّاعي إلى اللّه ليس أكثر من مبلّغ، يبلّغ ما أمره اللّه بتبليغه لذوي الإرادات الحرّة. الّذين أعطاهم اللّه إراداتهم الحرّة المختارة ليبلوهم فيما آتاهم، وليس الداعي إلى اللّه مجبرا ولا محوّلا بالإكراه.

أمّا القادر على الجبر، بتغيير طبائع النفوس، فهو الرّبّ الخالق جلّ جلاله: إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ بتغيير طبيعة تكوينه، وجعله مجبورا لا مختارا.

لكنه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- لا يجعل عباده مجبورين، بعد أن تمّت مشيئته بأن يجعلهم مخيّرين، ليمتحنهم بالتكاليف الّتي يجب عليهم أن يلتزموا بها من خلال اختيارهم الحرّ، لا من خلال الجبر الّذي تجبل عليه طبائع نفوسهم، فهم لا يملكون القدرة على الخروج عن نظامها.

هذا البيان الذي عرضته عرضا تحليليا مطوّلا، قد جاء التعبير عنه في الآية (22) بعبارة وجيزة بديعة، خطابا من اللّه لرسوله، فلكلّ داع إلى اللّه من أمّته بأسلوب الخطاب الإفرادي فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ. عقب قوله تعالى: وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت