فهرس الكتاب

الصفحة 4430 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 135

أي: فمن وصل إلى حالة تشبه حالة الميّت المقبور، الّذي صار ميؤوسا من إسماعه بيانات الدّعوة إلى اللّه إسماعا مؤثرا في نفسه، فلا تطمع بإسماعه، واشتغل بدعوة من لم يصلوا إلى حالة ميؤوس منها، لأنّك لا تستطيع أن توصل الإسماع إلى مراكز الإدراك فيهم بالجبر، وقد جعلهم اللّه ذوي إرادات حرّات مختارات بأصل تكوينهم الفطريّ، وقد وصلوا باختياراتهم الحرّة إلى دركة المقبورين، بعد موت كياناتهم الداخليّة بالكفر بالحقّ.

إنّ الذي يستطيع إيصال الإسماع إلى مراكز الإدراك بالجبر هو اللّه القادر على تحويل طبائع النفوس وتغييرها، وجعلها مجبورة غير مختارة، لكنّ اللّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- ليس من حكمته أن يشاء لعباده الممتحنين المخيّرين ليكشف أيّهم أحسن عملا، فيجعلهم مجبورين، إذ المجبور لا اختيار له، فلا يوضع موضع الامتحان، ولو كان كذلك لم يكن مسوقا يوم الدّين للحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء، وهذا نقض لأصل حكمة وضع العباد المكلّفين موضع الامتحان، ومعلوم أنّ مشيئات اللّه لا تتناقض.

* قول اللّه تعالى خطابا لرسوله: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23) :

بعد الإشعار بأنّ المعنيّين الأولين بالمعالجة في السورة، وهم كبراء مشركي مكّة إبّان التنزيل، قد وصلوا إلى حالة ميؤوس منها، فهم كالموتى المقبورين، أبان اللّه لرسوله أنّ وظيفته الأخيرة، بالنّسبة إليهم مقصورة على إنذارهم بعذاب اللّه وعقابه ونقمته يوم الدّين، مع ما قد ينزل بهم من عذاب معجّل.

أي: ما أنت بالنّسبة إلى هؤلاء إلّا نذير، أي: منذر توجّه لهم الإنذار بعذاب اللّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت