فهرس الكتاب

الصفحة 4433 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 138

تمهيد:

سبق في الآية (4) من هذه السّورة قول اللّه عزّ وجلّ لرسوله:

وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. (4)

ويتساءل المتفكّر قائلا: ما الدّاعي لإعادة هذه القضية في السّورة نفسها؟!

أقول: بالتأمّل في النّصّين يكتشف المتدبّر، أنّ الآية (4) جاءت لتربية الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بشأن تكذيب كبراء قومه له، وهذه التربية تعتمد على بيان أنّ رسلا كثيرين سابقين قد كذّبوا من قبل الأمم الّتي أرسلوا إليها، فتعرّض خاتم المرسلين للتّكذيب ليس بدعا في الرّسل، وعليه أن يصبر مثلما صبروا، وأن يتحمّل الأذى مثلما تحمّلوا، متأسّيا بأولي العزم منهم، وعليه أن يتوكّل على ربّه في أموره كلّها، وأن يفوّض كلّ أمره إليه، كما فعل الرّسل من قبله، موقنا بأنّ إلى اللّه وحده ترجع الأمور كلّها.

أي: وبما أنّ الأمر كذلك فإنّ ربّك الّذي أرسلك لن يضيّعك، وهو معك دواما.

أمّا الآيتان (25 و 26) فقد جيء بهما لتهديد مكذّبي الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، من الّذين بلّغهم رسالة ربّه، ووصلوا إلى حالة ميؤوس من إصلاحهم معها عن طريق إراداتهم الحرّة.

ولهذا جاء فيهما بعض تفصيل لتكذيبهم، وبيان لمعاقبتهم بالإهلاك الشامل، حينما أمست حالتهم حالة ميؤوسا منها.

ويستفاد من بيان هذه الحقيقة التاريخيّة، الّتي سلفت في تاريخ الناس، مع ملاحظة أنّ سنّة اللّه في عباده واحدة، أنّ مكذّبي الرّسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من قومه، يعرّضون أنفسهم لمعاقبة اللّه لهم بالإهلاك الشامل،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت