فهرس الكتاب

الصفحة 4476 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 181

وروى البخاري ومسلام وأحمد عن معاوية، أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال:"لا تزال طائفة من أمّتي قائمة بأمر اللّه، لا يضرّهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتّى يأتي أمر اللّه، وهم ظاهرون على النّاس".

أقول: المراد بظهور هذه الطّائفة جرأتها في إعلان الحقّ وعدم موافقتها على انتشار الباطل والدّعوة إليه، وانتصارها لدين اللّه، والمجاهدة في تبليغه ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

ويدلّ على أنّ المراد وجود هؤلاء المصطفين في أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، وأنّه ليس المراد اصطفاء كلّ فرد من أفراد هذه الأمّة المسلمين، قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (فاطر) :

* ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ .... (32)

فأبان اللّه عزّ وجلّ أنّ هذه الأمّة المحمّديّة المسلمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام كبرى، وأفراد كلّ قسم من هذه الأقسام متفاضلون فيما بينهم:

القسم الأدنى وهم الأكثر عددا: دلّ عليهم قول اللّه تعالى: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ: أي: ظالم لنفسه بالمعاصي والمخالفات وارتكاب كبائر الذّنوب والآثام.

وكلّ فرد من أفراد هذا القسم صحّ إيمانه وإسلامه، ولكنّه ظلم نفسه، وأسرف عليها، باقتراف المعاصي والآثام، وارتكاب الكبائر التي نهى اللّه عنها نهيا مقرونا بتحذير شديد، وقد رتّب عليها عقابا أليما.

وأفراد هذا القسم، الظالمون لأنفسهم، والمسرفون عليها، يتنازلون في دركات هابطات عن سقف مرتبة التقوى.

وهذه الدّركات لا يحصي عددها إلّا اللّه جلّ جلاله، ومن شاء تبارك وتعالى أن يعلّمه من ملائكته أو رسله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت