فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 183
ما أشدّ حماقة من ينطح الجبل العظيم بهامته، أو يعاند الحديد المحمي فيدنيه من بؤبؤ عينيه، ليستمتع برؤية وهج النّار الّذي يسبّب له انطفاء نور عينيه، أو يشرب السّمّ القاتل المحلّى بالعسل أو يعصي اللّه ربّه، مستهينا بما رتّب من عقاب على من عصاه في أوامره ونواهيه.
وبهذا يظهر لنا أنّ أدنى وصف وأحكمه لقسم العصاة للّه عزّ وجلّ أنّهم ظالمون لأنفسهم.
القسم الأوسط: وعددهم أقلّ من عدد القسم الأدنى بفارق كبير، وقد دلّ على هذا القسم قول اللّه عزّ وجلّ: وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ فهو قسم المقتصدين.
المقتصد: هو الّذي يتوسّط في أمره، فلا يزيد على المطلوب الواجب عليه، ولا ينقص منه، والمقتصد في النفقة هو الذي لا يسرف ولا يقتّر، بل تكون نفقته وسطا.
والمراد بالمقتصد في السّلوك الديني، هو من يحرص على فعل الواجبات، وترك المحرّمات، ولا يعتني بالتوسّع في نوافل العبادات والقربات، بفعل المندوبات وترك المكروهات.
فقول اللّه تعالى؛ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ: أي: ومن وارثي الكتاب الرّبّاني، الذي ختم اللّه عزّ وجلّ به الكتاب المنزّلة، قسم مقتصد.
وأصل معنى المقتصد المتوسّط بين طرفين، فإذا كان توسّطه بين أمرين غير محمودين، كان توسّطه هو الأفضل والأكمل والأعلى، وإذا كان توسّطه بين جهة غير محمودة هابطة في الدّركات، وبين جهة صاعدة محمودة ذات درجات تترقّى في الكمالات، كان اقتصاده منقذا له من الذّمّ والمؤاخذة، ومحقّقا له أدنى درجات الكمال.
والمقتصد في فضائل السّلوك الإسلاميّ، هو الّذي يؤدّي حقوق أدنى