معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 462
الّذي يصلى النّار الكبرى: أي: الّذي يعذّب يوم الدّين بالحريق في النار الكبرى، وهي نار جهنّم، ووصفها اللّه بالكبرى لأنّها أكبر نار معدّة لعذاب العصاة المذنبين، أمّا النيران الأخرى فهي دونها، ومن هذه النيران نيران الدّنيا مهما كانت شديدة.
يقال لغة: صلي النّار وصلي بها، إذا احترق فيها، ولامس لهبها جسده محرقا.
ويقال: أصلاه يصليه نارا، إذا أدخله فيها ليحترق.
إنّ هذا الأشقى الذي هو الأكثر شقاوة بسبب كفره العنادي، هو الذي يتجنّب الاستجابة لتذكير المذكّرين، لأنّه ليس مستعدّا نفسيّا لأن يخشى ولو مستقبلا، مهما قدّمت له الإقناعات والمذكّرات، ولهذا لم يكن فعل التجنّب منه يحتاج إلى حرف"السين"الدالّ على المستقبل، نظرا إلى أنّه يتجنّب الذكرى عقب التذكير، ويظلّ كلّ حياته متجنّبا.
ولهذا كان هذا الأشقى مستحقّا لأن يصلى النار الكبرى خالدا فيها، وهذا الخلود الأبديّ فيها يكافئ جحوده الأبديّ، لأنّ اللّه لو أحياه في الدار الدنيا حياة أبديّة لبقي كافرا كفرا أبديّا.
ثمّ لا يموت فيها ولا يحيى: أي: ثمّ مهما طال في النّار الكبرى بقاؤه وعذابه، فإنّه لا يأتيه زمن تحصل له فيه راحة ما من العذاب الذي هو فيه، فلا يأتيه الموت الذي يقطع عنه الإحساس بالعذاب، ولا تأتيه حياة مريحة خالية من العذاب.
وجاءت عبارة: وَلا يَحْيى تنزيلا لحياة العذاب منزلة حالة وسطى بين الموت المريح والحياة السعيدة، وهذه الحالة الوسطى هي حالة تعاسة وشقاء دائمين، وهذه الحالة حريّة بأن لا تسمّى حياة، لأنّ من شأن الحياة الّتي يحرص الأحياء عليها أن يكون فيها شيء ممّا يحبّون ويرغبون فيه، أمّا