معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 202
هذه الفرصة، عسى أن يكون لهم وضع آخر غير الوضع السّابق، الذي كانوا عليه في الحياة الدّنيا، فيؤمنوا إيمانا صحيحا صالحا، ويسلموا إسلاما صحيحا صادقا، ويعلموا عملا صالحا يدلّ على صدق إيمانهم وإسلامهم؟!
وجاء دفع هذا الإشكال ببيان أنّ اللّه عالم غيب السماوات والأرض، وأنّه عليم بذات الصّدور، أي: عليم بالنّيّات والسرائر صاحبة الاستقرار في الصّدور داخل النفوس، ويشمل ما في الصّدور ما في القلوب، وما في الأفئدة، الّتي هي أعمق في داخل دوائر النّفوس في الصّدور، فهي فيها حتما.
أي: فلو علم اللّه في صدورهم خيرا قابلا لتغيير أحوالهم، وتغيير أوضاعهم، إذا أعاد امتحانهم إعادة مشابهة لظروف ولشروط الامتحان الّذي كانوا فيه، لاستجاب لطلبهم، لكنّهم لو ردّوا إلى مثل أحوالهم الّتي كانوا عليها في الحياة الدّنيا، لعادوا إلى مثل ما كانوا عليه، من كفر وعناد وجحود وسوء عمل وجرائم، ولو كرّر اللّه لهم هذه الإعادة مرّات لا حصر لها.
إذن: فإعادة امتحانهم لا تفيد شيئا، ولا تغيّر من أمورهم شيئا، وتكون صورة من صور العبث.
وفي تحليل هذه الحقيقة أقول مكرّرا:
إنّ إعادة امتحانهم مرّة أخرى تستدعي إيجادهم في أحوال وظروف مطابقة تماما لأحوالهم وظروفهم الّتي كانوا عليها في رحلة الامتحان الأولى، وأوّلها وأولاها بالعناية أن يمسح من ذاكراتهم ما شهدوه من عذاب في نار جهنّم على كفرهم وجحودهم وسوء عملهم في امتحانهم الأول، وأن يمسح من ذاكراتهم كلّ ما شهدوه من أحداث البعث ويوم