فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 217
التدبر:
إنّ التعليم الجدليّ الّذي اشتملت عليه هذه الآية قد جاء مفصّلا ومقسّما إلى ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ ....
دلّ هذا البيان على أنّ من الحكمة في مناظرة المشركين البدء بسؤالهم عن ربوبيّة شركائهم، فإن كانت لهم ربوبيّة ما، استحقّوا بها أن يكونوا آلهة تعبد من دون اللّه، وإذا لم تكن لهم ربوبيّة ما، فعبادتهم لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرّا، فهي عمل باطل، وهي ظلم عظيم لحقّ الخالق الرّبّ الذي يجب أن يعبد، لأنّه هو الرّبّ المالك لعبيده، ويجب أن يفرد وحده بالعبادة، إذ لا يشاركه في ربوبيّته للكون أحد.
والمناظر السّائل المؤمن بربّه وبأنه لا شريك له في الرّبوبيّة، يطرح السّؤال التالي على المشركين:
إن كانت آلهتكم الذين تدعون من دون اللّه شركاء اللّه في ربوبيّته في الأرض، فأروني ماذا خلقوا من الأرض.
أي: أروني رؤيا بصريّة، أو رؤيا فكريّة، شيئا ما.- أيّ شيء- من الأرض الّتي هم يسكنونها، ويستمتعون بخيراتها، وهذا الشيء قد خلقه شركاؤهم، حتّى يكون ذلك مثبتا لها شيئا من الرّبوبيّة، الّتي تستحقّ بها أن تعبد عبادة ما، فتكون مشاركة للّه في إلهيّته.
لكنّ المشركين لا يستطيعون أن يأتوا بشيء من الأرض مثبتين أنّه ممّا خلقه شركاؤهم، جبلا، أو واديا، أو أرضا منبسطة، أو بحرا، أو شجرا، أو رزقا ما، أو غير ذلك من الأشياء غير ذات الحياة، أو حيّا من الأحياء بعوضة فما فوقها من الأحياء، أو فما دون البعوضة كوحيد