معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 229
القسم: هو الحلف بمعظّم عند المقسم، يقال لغة: أقسم باللّه، أي: حلف باسم اللّه موثّقا بحلفه خبرا أخبر به، أو وعدا وعده، وألزم نفسه باليمين أن يفي به.
جَهْدَ أَيْمانِهِمْ: أي: أبلغ أيمانهم، وآكدها، وأجمعها للعبارات.
الجهد: في اللّغة، الجدّ والاجتهاد، وبذل أقصى الطّاقة، ويطلق على تقديم غاية ما عند الإنسان من شيء، فبذل غاية ما يملك من مال، يقال فيه: جهد المال، أي: غايته وأقصاه. وجهد القوّة: أي: غاية ما لدى الإنسان من قوّة، وبذل ذلك يوقع في المشقّة والإعياء.
وجهد الأيمان: غاية ما لدى الإنسان منها.
* لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ؛
أي: لئن جاءهم رسول صادق يبلّغ عن ربّه ما أنزل اللّه عليه، فعلّمهم وبيّن لهم وبشّرهم وأنذرهم لآمنوا به، ولا تّبعوا ما أنزل اللّه عليه من شرائع وأحكام، ولكانوا أهدى من إحدى الأمم الّتي بعث اللّه لها رسولا، وأنزل عليه كتابا، وفي عبارتهم إلماح إلى اليهود والنّصارى، وقد ظهر لي أنّ بعضهم قال:
لنكوننّ أهدى من النصارى. وبعضهم قال: لنكوننّ أهدى من اليهود، بحسب اعتقاد كلّ منهم في اليهود أو في النصارى.
جاء في هذا البيان التعبير عن الرّسول المبلّغ المعلّم المبشّر المنذر، بعبارة نَذِيرٌ إيجازا في العبارة، لأنّ الإنذار بعذاب اللّه، على رفض الاستجابة لدعوة الرّسول، تكون عادة كما سبق شرحه عدّة مرّات، في آخر المراحل الدّعويّة، فهو يدلّ باللّزوم الفكريّ على كلّ المراحل الّتي تسبقه من التبليغ، والتعليم، والتّذكير، والنّصّح، والجدال بالّتي هي أحسن، والإرشاد بأحكم الوسائل، والبشارة، وغير ذلك من الوسائل الدّعوّية.