معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 230
وفي عبارة: لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ إيجاز يشير إلى مقالاتهم في هذا الشأن، بحسب اعتقاد كلّ منهم: هل اليهود أهدى، أم النصارى أهدى، أم المجوس أهدى.
أَهْدى: أفعل تفضيل، أي: أكثر هداية والتزاما بالحق، وبشرائع اللّه وأحكامه من إحدى الأمم.
فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) :
أي: فلمّا جاءهم الرسول المبلغ عن ربّه، والمعلّم الناصح الأمين، والمرشد إلى صراط النّجاة والسعادة العاجلة والآجلة، والبشير النذير محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، لم يبرّوا بقسمهم، وكان المترقّب منهم بحسب قسمهم المؤكّد المشدّد أن يزدادوا ببعثته اقترابا من الحقّ الرّبّانيّ، وأن يزدادوا اهتداء إلى رحاب النّور وصراط الهدى، لكنّهم في واقع حالهم لم يزدادوا إلّا نفورا من الحقّ والخير والهدى، ونفورا من الدّين الرّبّانيّ الحقّ.
النّفور: هو الإعراض والصّدّ والابتعاد كحالة المذعور الخائف الشارد، أو كحالة الممتنع المتراجع بحران.
لقد كانوا نافرين عن اتّباع دين اللّه، إذ كان بإمكانهم أن يستجيبوا لدعاة النّصارى، الّذين كانوا قبل بعثة الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، يدعون إلى اللّه على بصيرة وهدى، دعوة ليس فيها شرك ولا تحريف في دين اللّه، لكنّهم نفروا، فلم يستجيبوا، فلمّا بعث اللّه رسوله محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم بالحقّ ازدادوا نفورا عن دين اللّه، وازدادوا تمسّكا بشركياتهم.
لقد كان المفروض فيهم بالنّظر إلى ما حلفوه من أيمان مغلّظة، أن تزيد معرفتهم للحقّ الرّبّاني، وأن يزداد ميلهم إلى الاستجابة لدين اللّه، وأن يتّبعوا رسول اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم.
لكن كان منهم ضدّ ذلك تماما، فقد ازدادوا نفورا.