معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 234
بل زادهم نفورا عن الاستجابة لما جاءهم به عن ربّهم، ونفورا عن تلقّي كتاب اللّه وتدبّره، والعمل بما جاء فيه، ونفورا عن الإيمان بالحقّ، واتّباعه، والاهتداء بهديه.
والسّبب الذي جعلهم ينفرون هذا النّفور الغبيّ الأحمق، يرجع إلى داءين نفسيّين خبيثين:
الدّاء الأولّ: حبّ الاستكبار في الأرض، واتّخاذ الوسائل المختلفة للعلوّ فيها، واحتلال مراكز العظمة والكبرياء على الناس، ومراكز الزّعامات المختلفات، والأنفة من اتّباع رسول اللّه محمّد فيما جاءهم به عن ربّهم.
وهذا الدّاء يظهر في قادة أهل الكفر وزعمائهم وذوي نزعات الكبر فيهم، وقد دلّ عليه قول اللّه تعالى في العبارة: اسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ أي:
ازدادوا نفورا لأجل أن يحقّقوا لأنفسهم الاستكبار في الأرض، متوهّمين أنّ اتّباعهم للرّسول يحرمهم من مكاناتهم الاجتماعيّة الرّفيعة، أو لا يسمح لهم بأن يعملوا لبلوغ ما يطمحون إليه منها.
الدّاء الثاني: شهوات النّفوس وأهواؤها، ومطالبها من زينة الحياة الدّنيا بفجور وقح، وانطلاق بلا قيود ولا حدود، وهذه لا تتحقّق لطلّابها إلّا بالمكر السّيّئ، فأطلق المكر السّيّئ كناية عمّا يتحقّق به من فجور وقبائح وسيّئات وظلم وفساد في الأرض.
المكر: هو تدبير أمر في خفاء، يكون في الخير، ويكون في الشرّ، فالمؤمنون المتقون يمكرون، أي: يدبّرون أمورهم في خفاء، ومكرهم يكون في الخير.
واللّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- يمكر في الخير دائما، وهو خير الماكرين، والمكر في الخير مكر حسن دواما.