معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 241
كيف يعجزه شيء في الكون، وكلّ شيء فيه خلق من خلقه ابتداء، وخاضع لإمداده بالبقاء مع استمرار وجوده، إذ لا يكون لشيء في الوجود بقاء إلّا بإمساك اللّه له فيه، خلقا من بعد خلق، كما سبق بيان هذا.
وجاءت العبارة بأسلوب كون منفيّ بعده لام الجحود، وهذا من أقوى أساليب النفي، مع تأكيد النفي بحرف الجرّ الزائد"من"الّذي يفيد التنصيص على عموم النفي.
قول اللّه تعالى:
إِنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44) : أي: إنّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- على الدّوام عليم بكلّ شيء، بدءا من أجزاء الذّرّة، وانطلاقا إلى أعظم كائن في الوجود. وقدير على ما يريد من إيجاد وإعدام، لا ندّ له، ولا معارض لسلطانه.
وقد سبق بيان أنّ فعل"كان"بالنّسبة إلى اللّه يدلّ على الدّوام في الأزمان كلّها، لأنّ ما هو أزليّ لا بدّ أن يكون أبديّا.
*** قول اللّه عزّ وجل:
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا (45) .
دلّت هذه الآية بمنطوقها، وبلوازمها الفكريّة، من الجذور الّتي تشتبك معها أركان القاعدة الإيمانية، ومن الفروع الّتي تزينها أوراق المفاهيم الخضراء عن اللّه وتصاريفه في كونه، وتثمر الرّضا عن اللّه في اختياراته، والفهم السّليم لآثار حكمته السّنيّة، دلّت على حقائق جليلة يشرح بعض جوانبها البيان التالي: