فهرس الكتاب

الصفحة 4538 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 243

ونظير ذلك كلّ شيء في الوجود مادّيّ أو معنويّ، من أجزاء الذّرّة، إلى المخلوقات العظمى المادّيّة والرّوحيّة، وإلى القوى المنبثّة في الوجود كلّه سوى ذات اللّه وصفاته.

وبناء على هذا فإنّ منطق الفكر السّليم، والفهم الصّحيح المستقيم، القائم على قواعد الحقّ، يقضي بأن يكون العباد في حالة طاعة دائمة، وعبوديّة إراديّة للّه عزّ وجلّ لا تنقطع، في مقابل عطاءات الرّبوبيّة المتتابعات المتواصلات، ما دام الواحد منهم حيّا مرزوقا مدركا، يملك بعطاء اللّه إرادة حرّة.

وبناء على هذا أيضا فإنّ قواعد العدل المستندة إلى قواعد الحقّ، تقضي بأن يفصل عن العبد الّذي يستمدّ بقاء وجود ذاته وصفاته دواما من عطاءات ربوبيّة الرّبّ جلّ جلاله تيّار الإمداد عن الجهة الّتي يعصي ربّه فيها.

وإذا كانت المعصية جحودا كاملا لكلّ ربوبيّة الرّبّ جلّ جلاله، فإنّ قواعد العدل تقضي باستحقاقه فصل كلّ تيّار الإمداد عنه، وبهذا الفصل يكون ميّتّا، أو عدما.

ولو لا أنّ اللّه- جلّ جلاله- قد وضع الإنس موضع الامتحان في ظروف الحياة الدّنيا، ليكشف اختياراتهم الحرّة في أنواع الطاعات، وأنواع المعاصي، وفي الإيمان على اختلاف درجاته، وفي الكفر على اختلاف دركاته، خلال مدّة من الزّمن حدّدها لكلّ منهم، لكانت المؤاخذة تقضي بأن لا يترك على ظهر الأرض دابّة ما.

وحال الجنّ كحال الإنس في هذه القضيّة، لأنّ كلّا منهما مختار مكلّف، موضوع في الحياة الدّنيا موضع الامتحان، وفي كلّ منهما المسلمون والمجرمون، وفي كلّ منهما المطيعون والعاصون، وفي كلّ منهما المؤمنون والكافرون على اختلاف الدّرجات والدّركات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت