فهرس الكتاب

الصفحة 4539 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 244

أمّا الدّوابّ غير المكلّفة، إذ لم توضع موضع الامتحان في ظروف الحياة الدّنيا، فهي مخلوقة لانتفاع الناس بها، ولخدمة مصالحهم.

فإذا قضى اللّه إهلاك النّاس جميعا، لم تبق للدّواب المخلوقة لهم وظيفة في الأرض، فيعمّها الإهلاك الذي يكون بإماتتها، وهذا ليس تعذيبا لها، بل هو إنهاء لوجودها دفعة واحدة، بدل إماتتها في آجالها المقدّرة لكلّ منها، إذ يموت كلّ منها في أجله.

وأمّا المؤمنون الصالحون من عباد اللّه فيكونون قد أدّوا امتحانهم، وظفروا بالنجاة من النار، وبالنّعيم المقيم الخالد في جنّات النعيم، ويميتهم اللّه نظير إماتته لهم في مجاري سنّته الدائمة، ويكون موتهم راحة لهم من عناء الحياة الدّنيا وكدحها.

فلو يؤاخذ اللّه النّاس بما كسبوا من كفر وشرك وجحود وفسق وفجور وعصيان، ما ترك على ظهر الأرض من دابّة تدبّ عليها مطلقا.

أي: ما ترك على الأرض مخلوقا ذا حياة، لأنّ كلّ مخلوق ذي حياة جسديّة، من شأنه أنّه يدبّ على الأرض، مهما صغر جسمه وخفّ وزنه.

لكنّه- وهو الرّحمن الرحيم- يرحمهم فلا يؤاخذهم في الحياة الدنيا هذه المؤاخذة، بل يمهلهم، ويملي لهم، ويؤخّرهم إلى آجالهم المسمّاة لكلّ منهم، والمقرّرة بقضائه وقدره في خطّته التكوينيّة لابتلائهم في ظروف الحياة الدنيا.

فإذا جاء أجل كلّ واحد منهم بعد أن منحه اللّه بحكمته أوسع فرصة لامتحانه، ملائمة لخصائص نفسه، أماته اللّه، ليلقى يوم الدّين حسابه، وفصل القضاء بشأنه، ثمّ ليلقى جزاءه بالعدل أو بالفضل.

أمّا المجرمون والظالمون والكفرة الجاحدون فيلقون جزاءهم بالعدل، عذابا أليما خالدين في جهنّم وبئس المصير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت