معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 470
والّذين خرجوا إلى الفضاء، وتحرّروا من جاذبيّة الأرض، أحسّوا بحقيقة هذا السّبح الخالي من كلّ العوارض والجاذبيّات إلّا ما هو من داخل ذواتهم.
وقد اختار اللّه عزّ وجلّ لذكره بأسمائه وصفاته التّسبيح المشتقّ من السّبح الذي يحمل هذا المعنى، ليكون الذّكر المطلوب متضمّنا معنى سبح النّفس والقلب والفكر في أبعاد غير مدركة النّهاية، من عظيم صفات اللّه وأسمائه الحسنى.
واجتماع الفكر والنّفس والقلب وسبحها معا في ذكر اللّه، إنّما يكون حين يستطيع الذّاكر صرف كلّ الشّواغل عنه، فلا تجذبه أو تدفعه من نفسه مطالب خاصّة بها، ولا تجذبه أو تدفعه من قلبه عواطف أو انفعالات من دون ما هو فيه من سبح بذكر اللّه، ولا تجذبه أو تدفعه أفكار خارجة عمّا هو فيه من سبح بذكر اللّه جلّ جلاله.
عندئذ يكون هذا التسبيح هو جوهر العبادة للّه عزّ وجلّ وروحها، لما فيه من الحضور الكامل مع اللّه، الخالي من الصّوارف والعوائق والمنغصّات.
*** التسبيح دواء نافع للنفوس والأعصاب:
ويكون عندئذ هذا التسبيح أنفع دواء للنفس وللجملة العصبيّة في الإنسان، إذ يمنحه الهدوء التّامّ والسّكينة والطّمأنينة والرّاحة. فبالتّسبيح يفرّغ المسبّح كلّ الشّحنات الضّاغطة على فكره ونفسه وقلبه، وبتفريغها يعود إلى سوائه، فتعمل قواه الداخلية أعمالها الطبيعيّة النّافعة ضمن أنظمتها الرّبّانيّة، دون خلل آت من حركات النّفس المضنية، أو حركات القلب وانفعالاته وعواطفه المرهقة للجملة العصبيّة، أو حركات الفكر المثيرة للقلب والنّفس