معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 269
* إِنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا:
أي: إنّه على الدّوام من الأزل إلى الأبد عليم قدير، ففعل"كان"إذا كان مسندا إلى اللّه جلّ جلاله كان معناه ثبات الوصف النّفسيّ ودوامه له من الأزل إلى الأبد، فما هو أزليّ لا بدّ أن يكون أبديّا، ولا يصحّ في العقل تعرّض ما هو أزليّ الوجود إلى العدم الكلّيّ أو الجزئي.
*** النص الثاني: قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (النمل/ 27 مصحف/ 48 نزول) :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُرابًا وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) .
أنكر المشركون ما أنبأهم به الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم من أحداث الآخرة ويوم الدّين، مع أنّهم قد تتابع عليهم العلم بيوم الدّين، ممّا ورثوه من دين إسماعيل عليه السّلام، وممّا سمعوه من علماء اليهود والنصارى، وقد كان هذا العلم موجودا عند آبائهم، لكنّ آباءهم كانوا يكذّبون به، فهم على سنّة آبائهم في التكذيب بيوم الدّين.
وأنكروا أيضا الجزاء الرّبّانيّ على أعمال العباد، سواء أكان مؤجّلا إلى ما بعد الموت، أم معجّلا في الدّنيا قبل الموت.
أمّا بالنّسبة إلى المؤجّل منه إلى يوم الدّين، فقد جعلوا يتعلّلون باستبعاد البعث إلى حياة أخرى، بعد صيرورة الأجساد إلى تراب، فقالوا:
* أَإِذا كُنَّا تُرابًا وَآباؤُنا: أي: وكان آباؤنا ترابا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ: أي: أئنّا لمخرجون إلى حياة أخرى، للحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء، استفهام يقصدون به إنكار الحياة بعد الموت.