فهرس الكتاب

الصفحة 4568 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 273

وفي هذا البيان إشارة إلى أن سبب تكذيب المكذبين فتنتهم بالحياة الدّنيا وزينتها، واستبعاد الدّار الآخرة وجنّة النعيم فيها عن أذهانهم، فقال تعالى:

وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ.

هنا التفت اللّه عزّ وجلّ إليهم في البيان فقال لهم: أَفَلا تَعْقِلُونَ؟!.

أي: أَليس لديكم عقل علميّ ولا عقل إرادي يجعلكم تضبطون نفوسكم عن اتّباع الأهواء والشهوات وسائر زينات الحياة الدّنيا، ناظرين إلى الآخرة، وما فيها من نعيم مقيم في جنّات النعيم، وما فيها من عذاب أليم خالد في دار العذاب النار.

وبعد هذا أبان اللّه عزّ وجلّ، أنّ نصر رسله وعقاب مكذّبيهم لم يتحقّق في سنّة اللّه إلّا بعد إمهال طويل للكافرين الّذين كذّبوا رسل ربّهم، وأعلنوا عداءهم لهم ولدعوتهم.

وهذا الإمهال الطويل جعل الرّسل يستيئسون، أي: ييأسون يأسا شديدا من نصر اللّه لهم في الدّنيا، وإنزال العقاب في المجرمين من أقوامهم.

فلمّا وصلوا بحسب طبائعهم البشريّة إلى هذا اليأس الشديد، ظنّوا ظنّا توهّميّا ضعيفا أنّ أخبار الإنذار بالعقاب المعجّل أخبار تهديديّة، وليست وعدا لا بدّ من تحقيقه، جاءهم نصر اللّه، فأهلك اللّه بحكمته المجرمين من أقوامهم، ونجّى من شاء أن ينجيه من أقوامهم، وهم المؤمنون، والّذين لم يصلوا إلى دركة اليأس من إيمانهم وقبولهم دعوة الحقّ، فقال تعالى:

حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت