فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 274
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا: الظنّ هنا هو من قبيل الظّنّ التوهّمّي الضعيف الذي يمرّ على شكل خاطرات لا يستطاع دفعها، ثمّ يصرف هذا الظّنّ التوهّميّ العارض صدق اليقين باللّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- والثقة بحكمته العظيمة.
وفي هذا البيان إشارة إلى أنّ اللّه جلّت حكمته أمهل الكفرة المكذبين إمهالا بلغ أقصى ما يمكن أن يتصوّر من إمهال، والدّليل عليه أنّ الرّسل بدأت تتوارد عليهم الخواطر بأنّ الإنذار بالعذاب المعجل قد كان الغرض منه التّهديد لا التنفيذ في الواقع، وهذه الخواطر لم تعد أن تكون ظنونا توهميّة ضعيفة.
ومثل هذه الظنون التوهميّة العارضة على شكل خواطر لا يملك إنسان ما منع تواردها، لكنّه يملك صرفها باليقين الثابت، وبعد صرفها يعتصم بالصّبر وبالثقة بوعد اللّه الحقّ.
ومثل هذه الخواطر لا تخدش عصمة الرّسل عليهم السّلام، لأنّ حالهم بعدها كان حال ذي يقين راسخ بوعد اللّه، وثقة تامّة بحكمته في تصاريفه في كونه.
وختم اللّه عزّ وجل النصّ ببيان الحكمة من ذكر قصص الأوّلين، وهي أنّ فيها عبرة لأولي الألباب، يعتبرون بها، إذ يقيسون أحداث المستقبل على أحداث الماضي، ثقة منهم بأنّ سنّة اللّه في عباده واحدة، فما جرى للأوّلين لا بدّ أن يجري نظيره للآخرين، إذا وصلوا إلى الدّركة الّتي وصل إليها الأوّلون، واقتضت أحوالهم إهلاكهم، فقال اللّه تعالى:
* لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ....
العبرة: الاتّعاظ والاعتبار بما مضى، وأصلها الانتقال عبورا من حادثة جرت إلى حادثة لم تجر بعد، بقياسها عليها، والحكم عليها بأنّها ستحدث مثل الماضية، إذا تماثلت الصّفات والأسباب.