فهرس الكتاب

الصفحة 4576 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 281

الذي ينفع المؤمنين عند ربّهم هو الإيمان بالغيب، القائم على أدلّة العقل وبراهينه، فالعقل ومدارك الفكر وأدوات الفهم الذهنيّ، هي التي ميّز اللّه بها الإنسان، وجعله مسؤولا في الحياة الدّنيا عما تهدى إليه، كما قال عزّ وجلّ في سورة (الإسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول) :

وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (36) .

وَلا تَقْفُ: أي: ولا تتبع، يقال لغة: قفاه يقفوه، أي: تبعه.

فأبانت هذه الآية أنّ الإنسان مسؤول عند اللّه وعند أهل الحقّ والعدل من عباده، عن العلم الّذي يأتي عن طريق السّمع، أو عن طريق البصر، أو عن طريق الفؤاد، وما يأتي عن طريق الفؤاد هو ما تدركه العقول من غيبيّات بالأدلّة العقلية، واللّوازم الفكريّة البرهانيّة.

وقد جعل اللّه عزّ وجلّ من أوّل أركان الإيمان في رحلة امتحان الإنسان في الحياة الدّنيا الإيمان بالغيب الّذي يتعلّق بذات اللّه وصفاته، ثمّ بالغيب الّذي صحّت به الأخبار عنه بلاغا عن اللّه من قبل رسله المؤيّدين من لدنه بالمعجزات الباهرات، والآيات البينات، أو عمّن بلّغ عنهم بلاغات صادقات يشهد العقل بصدقها.

وأضاف هذا النّصّ أنّ المكذّبين السّابقين المهلكين، لمّا رأوا مقدّمات بأس اللّه الوافد عليهم بالعذاب والإهلاك الشامل، قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ولكن لم يكن ينفعهم إيمانهم حينئذ، لأنّه إيمان بعد شهود مقدّمات عذاب اللّه لهم، وما كانوا قد أنذروا به من قبل.

وأضاف أنّ عدم قبول إيمانهم حينئذ هو سنّة من سنن اللّه، الثابتة بقضائه وقدره، وهذه السّنّة الرّبّانيّة قد جرت تطبيقات لها في الأمم السّالفة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت