فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 290
* وجاء فيه بيان أنّ اللّه عزّ وجلّ أملى للكافرين وأمهلهم، ثمّ أخذهم بالعذاب والإهلاك العامّ الشامل، وهذا البيان الواضح لم يأت في النّصوص السّابقة.
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ: أطلق لفظ قَرْيَةٍ والمراد أهلها، وهو من إطلاق اسم المحلّ على الحالّ فيه على سبيل المجاز المرسل.
أي: فعدد كثير من القرى أهلكها اللّه وهي ظالمة بكفرها وتكذيبها رسل ربّها.
والمعنى: أنّه لم يكن إهلاكها بعد إمهالها الطويل إلّا وهي ظالمة مستمرّة على ظلمها. والإمهال دلّ عليه: فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (44) نكير: بحذف ياء المتكلم، أي: إنكاري، والمراد فكيف كان عقابي، ألم يكن عقابا شديدا مؤلما مهلكا إهلاكا عامّا شاملا، إنّ إنكار القادر على العقاب والانتقام يدلّ على عقابه وانتقامه.
كأيّن: اسم مركّب من كاف التّشبيه و"أيّ"المنوّنة، ومعناه التكثير، وهو بمعنى"كم".
فَهِيَ خاوِيَةٌ: أي: فهي فارغة لا ساكن فيها.
عَلى عُرُوشِها: العروش جمع العرش، وهو كلّ ما يستظلّ به، ويطلق على السّقف، وهذه العبارة تصلح لأن تفسّر بأنّ القرى المعنيّة باقية على عروشها، وهذا المعنى يتلاءم مع: فَهِيَ خاوِيَةٌ ومع وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ. وتصلح لأن تفسّر بأنّها ساقطة متهاوية على عروشها، وهذا المعنى يلائم واقع حال كثير من القرى الّتي أهلك اللّه أهلها، ودمّر ما دمّر منها، لكنّ فكرة تكامل النصوص القرآنية ترجّح حمل هذا النّصّ على القرى التي بقي من آثارها عروش لم تسقط، وقصور مشيدة، وآبار معطّلة.