فهرس الكتاب

الصفحة 4600 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 305

ثالثا: معنى العبودية:

العبد: في اللغة هو الرقيق المملوك، ومن المعلوم بداهة أنّ من حقّ المالك على العبد الرقيق المملوك أن يقوم بخدمته، وأن يطيع أوامره ونواهيه.

فالعبودية في مفاهيم الناس تقتضي حقّ المالك على مملوكه بأن يقوم بخدمته على مراده، ويطيعه في أوامره ونواهيه وكلّ مطالبه منه، مما يستطيعه.

ولمّا كان الناس جميعا مخلوقين للّه، ومربوبين له دواما، كانوا جميعا مملوكين له، فيجب عليهم بداهة طاعته في أوامره ونواهيه، والتقرّب إليه بمحابّه ومراضيه، لحقّ الملك، وحقّ الإمداد بالنّعم الكثيرة الظاهرة والباطنة التي لا تنقطع ما داموا في الحياة، وفي الوجود ولو بعد انفصال الروح عن النفس والجسد.

هذه مفاهيم أوّليّة عامّة لمعنى العبودية، فإذا دقّقنا النظر وجدنا أن من البدهيّ أن يكون المخلوق عبدا مملوكا لخالقه، فيكون به إذا كان لا بقاء لذاته ولا لصفاته إلّا بإبقاء الخالق الربّ له في الوجود، ولا قدرة له ولا حول إلّا به، ولا رزق ولا صحة ولا حياة ولا أمن إلّا بإمداد منه، ولا علم ولا فهم له إلّا بعطاءات اللّه له ومعونته، وهكذا إلى كلّ خليّة من خلاياه، وكلّ حركة ظاهرة أو باطنة من حركاته، وكل خاطرة من خواطره، وعاطفة من عواطفه ولذّة من لذّاته.

إنّ ربوبيّة اللّه لنا لم تدع فينا ذرّة من الذّرات المادّيّة والمعنوية ولا أصغر خارجة عن سلطانها ومددها وعطاءاتها وسائر وجوه تربيتها، في كلّ لحظة من لحظات وجودها.

وعلاقة الأكوان كلّها باللّه عزّ وجلّ هي علاقة مربوب بربّ، ولكلّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت