فهرس الكتاب

الصفحة 4603 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 308

حوله قد سخّرها له العليم الحكيم القدير الربّ جلّ وعلا بقضائه وقدره، ليمتحنه في ظروف الحياة الدنيا، فهي تطيعه بخلق اللّه وتقديره ضمن قوانينها وأنظمتها، إذا أحسن استخدام مفاتيحها التي جعلها اللّه لها، وأحسن جمع العناصر التي تحتاج جمعا وتأليفا لتحقيق الغاية منها، وأحسن تفريق العناصر التي يتطلّب تحقيق الغاية منها تفريقا.

مثلا: من أحسن استخراج النّفط وتصفيته وتمييز بعضه من بعض، وأحسن صنع المكنات الحديدية الآلية، وأحسن استخدامها، وأحسن استخدام كثير من الموادّ المختلفة في الكون لصناعة طائرة، وأحسن قيادتها، طارت به في الجو بقضاء اللّه وقدره إلى حيث يريد.

فمنحة الإرادة الحرّة، وتسخير المسخّرات، قد كانا- بمقتضى حكمة الرب العليم القدير الحكيم- لغاية امتحان الإنس، وكذلك الجنّ في ظروف هذه الحياة الدنيا، وبعد الامتحان يكون الحساب وفصل القضاء، ثم الجزاء بالعدل أو بالفضل، في ظروف حياة خالدة لا نهاية لها ولا فناء فيها.

وهنا نتساءل: ما هو المطلوب من الممتحن في رحلة امتحانه خلال المدّة المقدّرة لبقائه في الامتحان، وهي الزمن المقرّر لتكليفه من عمره المقدّر له في الحياة الدّنيا؟

والجواب: أن يحقق عبوديّته الاختيارية لربّه فيما منح إرادته الحرّة من سلطة على المسخّرات له في ذاته، وفي الكون من حوله.

وهذه"العبودية الاختيارية"هي التي دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ في سورة [الذّاريات/ 51 مصحف/ 67 نزول] :

وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) .

فبالعبوديّة الاختيارية يحقّق العبد الممتحن بإرادته أنه أهل لما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت