فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 309
منحه اللّه من إرادة حرّة، وما سخّر له بتقديره وقضائه وخلقه من مسخّرات تطيعه في الكون، إذا التزم بقوانينها وأنظمتها الجبريّة، وأحسن استخدام مفاتيحها.
أما من رفض هذه"العبودية الاختيارية"فإنه يكشف بما اختار لنفسه في رحلة امتحانه عن تمرّده واستكباره على ربه، بارئه وممدّه بعطاءات ربوبيته، ويدلّ بما اختار لنفسه من سلوك على أنه ظلوم جهول، ليس أهلا للمنحة العظيمة التي منحه اللّه إيّاها، وهي منحة الإرادة الحرة، ومنحة التسلّط على المسخّرات في ذاته وفي الكون من حوله، فحسبه جهنّم يساق إليها يوم الدّين، مجبورا مضطرا، لا قدرة له على دفع أو رفع أو نجاة، ولا يملك صرفا ولا عدلا، إذا لا قدرة له على شيء يصرف به عن نفسه العذاب، ولا على شيء يبذل منه ما يعادل ما استحقّ بظلمه من عذاب أليم خالد.
بهذا ظهر لنا الفرق بين العبودية الجبريّة للرب عزّ وجلّ وبين العبودية الاختيارية.
وللعبودية الاخيارية مراتب ودرجات لكل مرتبة، وكمال العبودية الاختيارية يتحقق حينما يكون العابد في المجالات التي هو فيها ذو إرادة حرّة ذا أحوال اختياريّة مشابهة لأحوال المجالات التي هو فيها خاضع للعبوديّة الجبرية، حتى يظفر بأسمى درجات القرب من الرّبّ الجليل.
وتكون هذه العبودية بأن يحقّق العبد بإرادته الحرّة معاني افتقاره لربوبية الربّ له، وخضوعه لمالكيته، وذلّه لسلطانه، وطاعته لأوامره ونواهيه، وتقرّبه إليه بمحابّه ومراضيه على ما شرع وأنزل على رسوله من تعاليم دينه الذي اصطفاه لعباده، ومقابلة كلّ صفة تتعلق به من صفات الربوبية بما يلائمها من صفات العبودية.