معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 475
أمّا تسبيح وحمد غير ذي الحياة بلسان الحال فهو ظاهر لا إشكال فيه، لأنّ كلّ شيء من مخلوقات اللّه في كونه يشتمل على صفات تدلّ أولي الألباب على تنزّه اللّه عن كلّ ما لا يليق بذاته وصفاته، وهذا بمثابة التسبيح للّه عزّ وجل. ويشتمل أيضا على صفات تدلّ أولي الألباب على طائفة من صفات اللّه وأسمائه الحسنى، لأنّه هو خالقها وربّها، وهذا بمثابة الحمد والثناء.
أمّا تسبيح وحمد غير ذي الحياة بكلام يمكن أن يسمعه من يستطيع أن يسمع كلّ الأصوات، ويمكن أن يفهم دلالاته من يفهم كلّ اللّغات، فهو أمر ممكن عقلا، وغير مستبعد على قدرة العزيز الجبار الخالق الرّبّ الّذي لا خالق غيره ولا ربّ في الوجود سواه.
وقد قرّبت لنا المكتشفات في هذا العصر، أنّ بعض الصفائح من الخلائط المعدنية المصنّعة، قابلة لأن يسجّل عليها بوسيلة أشعّة اللّيزر آلاف الصفحات الناطقة، فإذا حرّكت على آلة حكاية الصّوت المسجّل فيها نطقت بكلّ ما هو مسجّل فيها على أحسن وجه وأكمله.
أفيعجز خالق الكائنات وربّها عن أن يجعل كلّ شيء فيها صغيرا كان أو كبيرا يسبّح بحمد ربّه تسبيحا يمكن أن يسمعه ويفهمه من هيّأه اللّه لاستماعه وفهمه.
وقد أبان اللّه عزّ وجلّ أنّ أسماع الناس وأبصارهم وجلودهم تسجّل عليهم أعمالهم، وتشهد عليهم بها يوم الدّين في محكمة اللّه الّتي يفصل بها بين العباد، فقال تعالى في سورة (فصّلت/ 41 مصحف/ 61 نزول) :
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ....