معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 336
مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (25)
أي: جعلوا الأوثان الّتي يعبدونها من دون اللّه، رموز رابطة مودّة بينهم، نظير الشّعارات والأعلام الّتي تتّخذها الشّعوب رموزا لوحدتهم القوميّة، أو وحدتهم الوطنيّة، إلّا أنّهم أضافوا إلى هذه الرّمزيّة تقديسها وعبادتها من دون اللّه.
فكشف إبراهيم عليه السّلام بمقالته لقومه الدّوافع الأولى لاتّخاذهم أوثانهم، وربّما تكون عامّة جماهيرهم جاهلة بهذه الدوافع الأولى، وتعبد الأوثان بالتقليد الأعمى، وتحسب أنها تنتفع في دنياها بهذه العبادة.
من الأدلّة القرآنيّة على المفهوم الأوّل:
وهو اعتقاد المشركين أنّ شركاءهم الذين يعبدونهم من دون اللّه، لهم مشاركة للّه في بعض خصائص ربوبيّته.
(1) قال اللّه عزّ وجلّ بشأن المشركين في سورة (يس/ 36 مصحف/ 41 نزول) :
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75) .
أي: لعلّ آلهتهم تنصرهم على أعدائهم في الحروب الساخنة والباردة بمعونات غيبيّة، بسبب عبادتهم لهم، فالمشركون يطمعون بأن تنصرهم آلهتهم في المواطن الّتي يحتاجون فيها النّصر بوسائل غيبيّة.
إنّ النّصر بأعمال غيبيّة تجلبها عبادة طالب النّصر، هو من خصائص ربوبيّة الرّبّ جلّ جلاله، فمن عبد من دون اللّه آلهة رجاء أن تنصره آلهته، فقد جعلها شريكة للّه في بعض خصائص ربوبيّته، فجرّه هذا الاعتقاد إلى