معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 342
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) .
أبان هذا النّصّ أنّ فريقا من المشركين يعبدون آلهة من دون اللّه يعتقدون أنّها لا تضرّهم، فهم يعبدونها لا لتكفّ ضررها عنهم، وأنّها لا تنفعهم فهم يعبدونها لا لتنفعهم في أمور دنياهم، بل يعبدونها لتكون شفعاءهم عند اللّه. [و يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه] .
لكنّ مقولتهم هذه مقولة كاذبة لا دليل عليها من عقل صحيح، ولا دليل عليها من بيان ثابت عن اللّه أو عن رسول من رسله.
بل تثبت الأدلة العقليّة أنّ العبادة لا تكون إلّا للّه الرّبّ وحده لا شريك له، وتثبت البيانات الدينيّة أنّ عبادة غير اللّه كفر باللّه صاحب الحقّ في العبادة، فإذا كانت مع عبادة اللّه فهي شرك.
وإثبات الشفاعة لمعبوداتهم، واعتقاد أنّها تشفع لهم عند اللّه، هو من الافتراء على اللّه، إذ لم يثبت عن اللّه عزّ وجلّ شيء من ذلك.
وقد جاء بيان كذبهم وافترائهم على اللّه في ادّعاء أنّ آلهتهم تشفع لهم عند اللّه، بأسلوب من البيان بديع، فقال اللّه عزّ وجلّ معلّما رسوله فكلّ داع إلى دين اللّه من أمّته:
قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ.
أي: شفاعة الشفعاء عند اللّه قضيّة لا تعرف إلّا ببيان منزّل عن اللّه جلّ جلاله، ولا تتحقّق الشفاعة لأحد عند اللّه إلّا بقضاء من اللّه يصدر به أمر أو إذن.