معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 352
ونستطيع أن نطلق على هؤلاء عنوان"الدهريون المادّيون"وهم أشباه الدهريّين من أهل الجاهليات الأولى.
وكلّ واحد من الفريقين قد اتخذ إلهه هواه، وينطبق عليهم جميعا قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الجاثية/ 45 مصحف/ 65 نزول) :
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (23) وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (26) .
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ: أي: جعل معبوده في حياته هواه، فهو يطيعه في كلّ مطالبه، ويخضع له ويذلّ، ولو جرّه إلى أودية العذاب، وألقاه في المهالك.
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ: أي: وحكم اللّه عليه بالضّلال استنادا إلى واقع حاله الضّالّ عن صراط الحقّ والهدى، وهذا الواقع مشمول بعلم اللّه الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السّماوات ولا في الوجود كلّه.
وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً: أي: وكان من أثر ضلاله البعيد عن صراط الحقّ والهدى، أن تتحقّق فيه سنّة من سنن اللّه في عباده، الّتي تجري بها مقاديره العامّة، وهي الختم على سمعه، فهو لا يسمع دعوة إلى الحقّ والهدى، والختم على قلبه، فهو لا يفكّر في أدلّة تهديه إلى الحقّ، والغشاوة على بصره، فهو لا يرى آيات اللّه في كونه.
فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ: أي: فمن يحكم له بالهداية بعد أن حكم اللّه عليه بالضلال حكما مبنيّا على علم بحاله الضّال.