معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 377
هذه الآية هي بمثابة عنوان لقصّة زكريّا وولده يحيى عليهما السّلام، والّتي جاء في هذا الدّرس لقطات منها مقصودات بالبيان فيه.
كلمة: ذِكْرُ هي خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا ذكر، وأضيفت كلمة ذِكْرُ إلى عبارة: رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا للإشعار ضمن العنوان بأنّ الرّبّ الرّحمن الرّحيم جلّ جلاله، قد رحم عبده زكريّا فحقّق له مطلبا مهما من مطالبه المفيدة ذات الغرض الدّينيّ.
الرّحمة: صفة من صفات اللّه الجليلة، وهي صفة نفسيّة نثبتها للّه عزّ وجلّ على ما يليق بجلاله، ومن آثارها العطاء، والتوفيق، والمعونة، واستجابة الدّعاء، وإزالة البؤس، والإمداد بما يسرّ، ويسكّن النّفس، ويورث القلب الطّمأنينة، ويمتع ذا الحياة بما يطيب لديه، ويبيّن لذوي الإرادات الحرّة ما فيه خيرهم وسعادتهم في عاجل حياتهم وآجله.
وأعظم آثار هذه الرّحمة، ما يكون للمؤمنين المتقين يوم الدّين من نجاة من الجحيم، وظفر بجنّات النعيم وما فيها من أنواع سعادات.
ولمّا كانت رحمة اللّه لزكريّا عليه السّلام باستجابة دعائه أجلّ ما في قصّته، كانت جديرة بأن تكون فاتحة عنوانها.
رَبِّكَ: الخطاب للرّسول أوّلا، ثمّ لكلّ صالح للخطاب، والغرض من الخطاب الإفرادي لكلّ صالح للخطاب إشعاره بأنّ اللّه عزّ وجلّ يحدّثه بصورة إفرادية.
الرّبّ: هو الخالق المتصرّف دواما في الكائنات كلّها، إنشاء وإنماء وتغييرا، وتجديدا، وإمدادا، وعطاء، ومنعا، وتنكيسا، وإفناء، وإعداما، إلى سائر ما يجري في الكائنات.
عَبْدَهُ زَكَرِيَّا: بهذه العبارة أعطى اللّه عزّ وجلّ عبده زكريّا شرف العبوديّة له، لأنّه كان في إيمانه وعمله الباطن والظاهر متحقّقا بها،