فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 378
وهذه العبوديّة الصادقة المصحوبة بتشريف ربّانيّ، جعلته مؤهّلا لأن يرحمه ربّه بإجابة دعائه، وتلبية طلبه، وجعل امرأته العاقر تلد له ولدا رضيا، ونبيا رسولا.
معارج التفكر ودقائق التدبر ... ج 7 ... 378
قول اللّه تعالى:
إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (3) :
أصل النداء في اللّغة الدّعاء بأرفع صوت، لكنّ اللّه عزّ وجلّ سميع عليم قريب، لا يخفى عليه صوت مهما كان ضعيفا خفيا.
فكيف نفهم التعبير بالنّداء في دعاء زكريّا ربّه، وهو نبيّ رسول، عليم بأدب الدّعاء للّه عزّ وجلّ، وهو أن يكون خفية بصوت ضعيف؟
أقول: إنّ قول اللّه عزّ وجلّ: نِداءً خَفِيًّا يشعر بالمراد، وهو أنّه كان مع جعله خفيّا من جهة الصّوت، إلّا أنه كان شديد التّوجّه القلّبيّ والنّفسيّ، فكأنّه نداء برفع الصّوت، ومعلوم أنّ شدّة التّوجّه والطّلب الداخليّ في النفس والقلب، قد توجد ولو كان الدّعاء أو الذّكر بأخفت صوت وأخفاه.
ولهذا لم يأت في القرآن المجيد في دعاء الرّبّ استعمال أداة ما، من أدوات النداء، إلّا في نصّين من أصل (67) نصّا، دعاهما الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، في موضوع يتعلّق برسالته في قومه، لا بشيء هو من مطالبه الخاصّة، ووجود أداة النّداء"يا"فيهما محمول على شدّة توجّه قلب الرّسول لدعاء ربّه في شكواه من قومه الّذين اتّخذوا القرآن مهجورا، والّذين لا يؤمنون مهما اتّخذ من وسائل للتأثير عليهم رجاء إيمانهم.
النص الأول: قول اللّه عز وجلّ في سورة (الفرقان/ 25 مصحف/ 42 نزول) :